المقالات

واشنطن بوست: لماذا فشل انتقال ليبيا إلى الديمقراطية

February 21, 2016

بين الكاتب فريديرك واهري، في مقال صدر بتاريخ 17 فبراير 2016 على موقع "ذي واشنطن بوست" - صحيفة يومية أمريكية، تأسست سنة 1877-، أن زيارة مدينة بنغازي الليبية هذه الأيام، يشبه الدخول إلى مدنية منكوبة في حالة حرب وفوضى عارمة، ولفت إلى أن أولئك الذين تجمعوا هناك في الأيام الأولى من الثورة، هم الآن على طرفي نقيض في صراع مزق العائلات وقتل أو جرح الآلاف وشرد الكثيرين، في الوقت نفسه، ترفرف أعلام تنظيم "الدولة" ( داعش ) فوق أسطح المنازل المهدمة.

وذكر الكاتب أن اللوم يقع في نهاية المطاف على عاتق معمر القذافي نفسه، الذي أورث الليبيين بلدا دون دولة، وقد وجد قادة ليبيا الجديدة صعوبة في التحرر من الحكم الاستغلالي السابق، ما حرض الجماعات المحلية ضد بعضها البعض وطمس المؤسسات، والحقيقة أنها أيضا تتحمل المسؤولية لعدم الكفاءة والمآثر الصغيرة والتكالب على السلطة، كما كان لتدخل القوى الخارجية أيضا الدور البارز في هذا الوضع.

غياب

واعتبر واهري أن الثوار كانوا منقسمين منذ البداية، فقد انتفضت الأحياء والبلدات دون قيادة موحدة أو رؤية مشتركة، وكانت خطوط الصدع كثيرة بين الجماعات التي استفادت من حكم القذافي، بين الليبيين المغتربين ومن في الداخل، بين التكنوقراط الذين تأقلموا مع النظام وعملوا على إصلاحه والإسلاميين الذين يرزحون في السجون، بين جنرالات الجيش المنشقين والمقاتلين المدنيين الشباب، بين النساء الذين تحدوا النظام الأبوي والمحافظين الذين سعوا لفرض تطبيقه.

كما شحذ الدعم العسكري الخارجي الانقسامات، وأثبت الائتلاف الحاكم الهش خلال الثورة، -المجلس الوطني الانتقالي السابق-، عجزه عن سد هذه الفجوات التي تجاوزتها الأحداث على الأرض، وقد فشلت كل الخطط التي تم وضعها في فترة ما بعد القذافي بدعم خارجي، فبعد سقوط العاصمة، استولت "ال ميليشيات " على المطارات والموانئ ومخازن الأسلحة والوزارات كغنائم، ومع ذلك، في تلك الأشهر الأولى بعد التحرير، كان من الممكن التفاؤل.

وعادت الولايات المتحدة إلى ليبيا، ولكن بتفويض محدود وبتقييم متفائل أكثر من اللازم لاحتياجات المرحلة الانتقالية في البلاد، حيث يقول أحد المسؤولين السابقين في البيت الأبيض، كان هناك شعور أن بإمكان ليبيا التصرف لوحدها، نظرا لثروتها النفطية وقلة عدد سكانها، ونظرا لأن الإدارة الأمريكية أرادت تجنب سيناريو العراق وأفغانستان، لم ترد التدخل أكثر في ليبيا، كما كان الليبيون أنفسهم يخشون التدخل الغربي.

انقسام

وبين الكاتب أن الولايات المتحدة ركزت جهودها على تعزيز دور المجتمع المدني والتعليم والإعلام، وكان من المهم مشاهدة ازدهار الجمعيات والنوادي والجمعيات الخيرية والمؤسسات الإعلامية وهي تتحرر من سيطرة الحكومة، وقامت الولايات المتحدة قصارى جهدها من أجل مساندة المجتمع الدولي، ولكن كانت المساعدة محدودة، نظرا لغياب الاتصال بين الولايات المتحدة وليبيا في عهد القذافي، علاوة على ذلك، لم تتغلغل الكثير من الجمعيات داخل ليبيا خارج بنغازي و طرابلس ، وربما الأمر الأكثر أهمية، يبقى غياب المساعدة الغربية في الشأن الأمني، ما ترك الناشطين عرضة للعنف من قبل "ال ميليشيات " والمتطرفين.

وقد ألقت الولايات المتحدة المسؤولية الكبرى على الأوروبيين والأمم المتحدة، ولكن دون قوة لفرض الاستقرار، لم تكن بعثة الأمم المتحدة في ليبيا مجهزة بما يكفي لتتعامل مع تحديات إعادة بناء القطاع الأمني، وركزت بدلا من ذلك على إعداد البلاد للانتخابات التشريعية، لذلك تعلقت الكثير من الآمال بتلك الانتخابات، وعلق أحد الموظفين الأمريكيين بالقول اعتبرت الانتخابات علامة على النجاح، ولكن الاستعجال فيها كان خطأ فادحا، حسب قول مسؤول سابق في بعثة الأمم المتحدة بليبيا.

وقد صدر مرسوم يقضي بإجراء الانتخابات بعد 240 يوما من التحرير في لبلد لم يجر انتخابات وطنية منذ أكثر من نصف قرن، وقد حذر بعض المحللين وقتها من أن إجراء الانتخابات مباشرة غداة الصراع من شأنه أن يؤدي إلى انتكاسة وحرب أهلية، وعندما تمت الانتخابات في السابع من يوليو 2012، تمت وسط ضغوطات مسلحة من قبل الفدراليين وقتال بين القبائل في المدن الغربية والجنوبية، وتصاعد التطرف في الشرق، ومع ذلك، كان الإقبال مرتفعا واعتبر المراقبون الغربيون التصويت نزيها وشفافا، واعتقد عدد قليل في "المجلس الوطني الانتقالي" السابق أو الغرب بأن الانتخابات ستحل الانقسامات في البلاد، وكان الأمل معقودا على حكومة منتخبة وشرعية لمعالجة الوضع الأمني المتزايد وانعدام الأمن، في الواقع، رسخ المجلس التشريعي الجديد، المؤتمر الوطني العام، الطائفية والانقسام.

عجز

وأبرز واهري أن السباق للسيطرة على المؤسسات الأمنية أثبت الانتكاسة الليبية، فقد حاول "المجلس الوطني الانتقالي" السابق في عديد المرات حل "ال ميليشيات "، في الوقت نفسه، ونظرا لعجزه عن فرض سلطته، بدأ يعتمد عليها عبر وضعها تحت الإشراف الشكلي لوزارتي الداخلية والدفاع، ولكن كانت هذه الوزارات نفسها واقعة تحت سيطرة الفصائل السياسية المختلفة، وكانت النتيجة ازدياد عدد "ال ميليشيات " وتشكل قطاع أمني مختلط ومقسم للغاية بالتوازي مع الجيش والشرطة.

من جهة أخرى، أشار الكاتب إلى أن ليبيا عرفت صدمة أخرى على المستوى الإقليمي، فقد ألقى صعود الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي وحملة ملاحقة الإخوان المسلمين بظلالها على ليبيا، وساهمت في تعميق الاستقطاب في المشهد السياسي الليبي، فتغذى جزئيا عبر انتشار وسائل الإعلام الحزبية بتمويل من الليبيين من أصحاب النفوذ في الخارج، ولكن بعد الإطاحة بحكم الإخوان في مصر، بدأ الحديث عن "الدولة العميقة" بين الإسلاميين والدوائر الثورية، ومن جانبهم، بدأ التكنوقراط السابقون والضباط والقبائل الشرقية وبعض الليبراليين يرون في السيسي نموذجا لاستعادة النظام، وكان هذا منتشرا بشكل أكثر حدة في بنغازي ، حيث تنامت الاغتيالات ضد ضباط الجيش والشرطة والقضاة والناشطين المدنيين، ما أرهب السكان، وتعززت هذه الموجة عندما أعلن القائد العام للجيش (المعين من قبل مجلس النواب) خليفة حفتر عن عملية "الكرامة" بهدف طرد "ال ميليشيات " الإسلامية من بنغازي واستعادة الأمن.

وقام حفتر وحلفاؤه بعدد من التهديدات ضد المؤتمر الوطني العام، وتعهد بنشر قواته العسكرية في طرابلس ، ما حفز تحركا ضد عملية "الكرامة" تحت مسمى " فجر ليبيا "، وما تبع ذلك كان تقسيما فعليا للبلاد بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب، وساندت الإمارات العربية المتحدة قوات حفتر ، فيما دعمت كل من قطر وتركيا والسودان " فجر ليبيا ".

حجر عثرة

وأدى الصراع إلى فوضى إنسانية عارمة وانهيار مالي لا يوصف، وخلق الصراع في بنغازي مساحة جديدة للمتطرفين، ووسط الانقسامات الشخصية والقبلية، توقفت عملية "الكرامة" وواصل سماسرة السلطة، حسب قول الكاتب، في كل من مصراتة و طرابلس في لعب لعبة خطيرة بإرسال أسلحة إلى خطوط المعركة في بنغازي ، أين كانت الفوارق بين "ال ميليشيات " والجماعات الأكثر تطرفا مثل "أنصار الشريعة" غير واضحة، واستغل تنظيم "الدولة" الفراغ من أجل إرساء موطئ قدم له في سرت والبلدات المحيطة بها، فضلا عن الأحياء في بنغازي و درنة وصبراتة و طرابلس .

واعتبر الكاتب أن الاتفاق الذي تم الإمضاء عليه مؤخرا بإشراف الأمم المتحدة، تم تحت ضغط كبير من الغرب، ولكن الحكومة الجديدة تواجه تحديات سياسية وأمنية هائلة لممارسة سلطتها، ويبقى حجر العثرة الأساسي السيطرة على الجيش وتحديد دور حفتر وكذلك الانقسامات الكبيرة داخل " فجر ليبيا " وعملية "الكرامة"، ما يفتح الباب أمام المفسدين والمعارضين لعرقلة الجهود الأمريكية والغربية من أجل توفير المساعدة العسكرية في الحرب ضد تنظيم "الدولة"، ولكن قد يكون الأهم الشعور بخيبة أمل عميقة لعدم تحقق وعود الثورة، وهي خيبة تمتد للسياسيين أنفسهم.

 

 

* ترجمة المرصد الليبي للإعلام  

* الصورة: (عصام الفيتوري - رويترز)