المقالات

اتفاق الصخيرات لا يعالج أسباب الأزمة

November 29, 2016

أوبن ديموكراسي - المرصد الليبي للإعلام 
ذكرت الكاتبة عزة المقهور، في مقال نشر بتاريخ 26 نوفمبر 2016 على موقع "أوبن ديموكراسي" -موقع إعلامي أمريكي، تأسس سنة 2001-، أن على عكس ما قد يظنه بعض السياسيين، لم تساهم الثورة الليبية في إنتاج ديمقراطية وليدة، بل فتحت الطريق نحو بعض الخطوات الديمقراطية، سرعان ما تم تجاوزها، بسبب الانقسام السياسي والاستقطاب وغياب المؤسسات الحكومية الفعالة والعنف، وقد كان الهدف من الاتفاق السياسي برعاية الأمم المتحدة والموقع في ديسمبر الماضي عكس هذا التوجه، ومع ذلك، فقد فشل في تحقيق أي تقدم لأنه لا يعالج الأسباب الجذرية للأزمة الليبية، بل يعقدها أكثر. 
علاوة على ذلك، لم يتم اعتماد الاتفاق السياسي كجزء من الإعلان الدستوري الليبي، وهي الوثيقة التي تؤسس للنظام الليبي في الفترة الانتقالية، كما فشل مجلس النواب -الذي كان طرفا في الاتفاق- في تحقيق النصاب الكامل، وإصدار تعديل دستوري ضروري ليدخل الاتفاق حيز التنفيذ، ويكون جزءا من التشريع الوطني. 
اتفاق 
وانقضت سنة تقريبا، في الوقت الذي تواصل ليبيا سقوطها الحر، حسب الكاتبة، نحو الفوضى والاضطرابات، وأصبح هذا الاتفاق السياسي -الذي كان من المفترض أن يضع حدا للكابوس السياسي-، هو الكابوس نفسه. 
واعتبرت الكاتبة أن جوهر الأزمة الليبية ليس سياسيا، لأن ما عطل عملية الانتقال السياسي هو التهديد المستمر الذي تشكله الكتائب المسلحة، ففي ليبيا حاليا، هناك عدد لا يحصى من الكتائب التي تحتجز البلاد كرهينة، وتخنق مؤسساتها وتهدد سلامتها ووجودها، ما لا يساعد على إحراز أي تقدم في مسار التحول الديمقراطي. 
ويمثل الفراغ الأمني أكبر مشكلة بالنسبة لليبيا، وأصبح ينذر بالخطر، خاصة في العاصمة طرابلس ، فعلى الرغم من أن هناك جزءا كاملا في الاتفاق السياسي حول الترتيبات الأمنية، إلا أنه يعتمد على الانفراج السياسي الذي لم يحدث أبدا، ويشير الجمود الحالي إلى أن الترتيبات الأمنية يجب أن تسبق أي اتفاق سياسي، أو على الأقل أن يتم تنفيذها بالتوازي، فقد تحول الاتفاق السياسي إلى عقبة أخرى، في الوقت الذي يبدو فيه واضحا، أنه لا يمكن تنفيذه في الوقت الحالي. 
وبينت الكاتبة أن الاتفاق يطرح مشكلات سياسية خطيرة، فهو يمنح أعضاء المؤتمر الوطني العام "الذين أعاقوا بشكل أساسي عملية التحول الديمقراطي" الفرصة ليكونوا أعضاء في المجلس الأعلى للدولة، فيما يتجاهل أولئك الذين دعموا مجلس النواب المنتخب، ما يظهر أن هيكلة تقاسم السلطة يهدف إلى إرضاء جميع الأطراف من أجل التوقيع على الاتفاق، وليس من أجل تنفيذه على أرض الواقع. 
ويتمثل الجديد في الاتفاق السياسي في إنشاء هيئة تنفيذية جديدة تحت مسمى حكومة الوفاق الوطني، تتضمن مجلسا للرئاسة ومجلسا للوزراء، وقد اقترح المجلس الرئاسي تشكيلتين للحكومة، تم رفضها من قبل مجلس النواب، ويتمثل التحدي الخطير القادم في تقديم مقترح ثالث يحظى بموافقة المجلس من خلال التصويت على الثقة، وهو أمر قد لا يحدث دون ممارسة ضغوط دولية عليه. 
خيارات
من جهة أخرى، أبرزت الكاتبة أن الليبيين العاديين يواجهون مشاكل لا يبدو أن لها حلولا في الأفق، على غرار نقص المواد الغذائية والبطالة والتضخم ونقص السيولة وانخفاض قيمة الدينار الليبية، ونقص الوقود وانقطاع الكهرباء، وتدهور التعليم والصحة، وقد فشلت حكومة الوفاق الوطني في معالجة هذه المشاكل، وقد ألقى رئيس حكومة الوفاق الوطني، فايز ال سراج ، في مقابلة تلفزيونية الشهر الماضي باللوم على محافظ مصرف ليبيا المركزي لنقص السيولة النقدية، لكن من الواضح أن المجلس الرئاسي غير قادر على فرض سيطرته على مؤسسات الدولة، وتوسيع النطاق الجغرافي لسلطته. 
وينص الاتفاق السياسي على أن الحكومة الجديدة هي السلطة التنفيذية الوحيدة، وأن جميع القرارات التنفيذية الصادرة عن الهياكل الأخرى لاغية وباطلة، وعلى الرغم من أنه يفترض أن تضع حكومة الوفاق الوطني حدا لأي ازدواجية أو انقسام، إلا أن ذلك لم ينجح بكل بساطة، ما ساهم في تفاقم الفوضى. 
وقد أثبتت الحكومة أنها ضعيفة وغير فعالة، لأن ليس لها أية سلطة فعالة، بعيدا عن التصريحات الجوفاء بالدعم من قبل المجتمع الدولي، ونتيجة لذلك، هي مجرد حكومة ثالثة في البلاد، ما يشير إلى تفكك وتعقيد المشهد السياسي. 
وفي أبريل الماضي، أنشأ بعض أعضاء المؤتمر الوطني العام في طرابلس المجلس الأعلى للدولة عبر انتخاب رئيسها، وتحت ذريعة تنفيذ الاتفاق السياسي، لكن هذه المبادرة تنتهك أحكام الاتفاق، خاصة المادة 20، ومع ذلك، لم يرد المجتمع الدولي الفعل، وقبل على العكس من ذلك بالمجلس كـ"أمر واقع"، وهو أول مؤسسة أنشئت تحت رعاية الاتفاق السياسي، لكن يبدو أنه لا أحد من الأطراف الدولية يهتم بالحفاظ على الاتفاق السياسي والإشراف على حسن تطبيقه. 
ونتيجة لهذا الانتهاك الصارخ، وبمساعدة كتيبة تحرس مقر المجلس الأعلى للدولة، قام عدد من أعضاء المؤتمر الوطني العام، والذين لا ينتمون لأعضاء المجلس الأعلى للدولة، باحتلال مقره في طرابلس ، وهذه نتيجة لمخالفة الاتفاق السياسي، حسب الكاتبة. 
وذكرت الكاتبة أن الهدف من الاتفاق السياسي كان تمهيد الطريق من أجل وضع حد للصراع، لكن الأحداث الأخيرة تظهر أنه كان مختلا، وغير قابل للتطبيق، وبينت أن ما تحتاجه ليبيا اليوم بشكل عاجل، هو إحياء عملية التحول الديمقراطي، أو إعادة هيكلة البنية السياسية الوطنية، ففي الوقت الحاضر، لا يرى الليبيون العاديون سوى الأمن والاقتصاد والمصالحة الوطنية، وقد فشلت عملية الحوار برعاية الأمم المتحدة في تحقيقها. 
وحان الوقت لمراجعة الاتفاق السياسي أو وضع اتفاق جديد، يقوم على استعادة الأمن، وإنقاذ الاقتصاد الليبي، وإطلاق عملية مصالحة جادة. 
الكاتبة : عزة المقهور، محامية ليبية