المقالات

الاقتصاد الليبي يمثل أخطر التهديدات

February 02, 2017

ترجمة المرصد الليبي للإعلام 

بين الكاتب ماتيا توالدو، في مقال نشر بتاريخ 23 يناير 2017 على موقع "ماكروجيو" -مؤسسة بحثية بريطانية مستقلة مختصة في الشؤون الاقتصادية والمالية-، أن العناوين الرئيسية لوسائل الإعلام الأوروبية دائما ما تربط ليبيا بموضوع الهجرة أو الجهاد، لكن اقتصاد البلاد هو الذي يمثل أخطر التهديدات، فالانهيار الاقتصادي لليبيا، قد تكون له عواقب وخيمة على أوروبا عبر دفع المزيد من المهاجرين لمحاولة عبور البحر الأبيض المتوسط، فيما الاقتصاد هو القضية الوحيدة التي يمكن أن تتصالح فيها الفصائل المسلحة المختلفة. 

وأبرز الكاتب أن نتيجة التنافس بين الحكومات المختلفة في ليبيا -والذي استمر لأكثر من عامين-، أصبحت المؤسسات الليبية أيضا منقسمة ومختلة، حاليا، توجد ثلاث وزارات فقط تعمل في العاصمة طرابلس هي : الشؤون الخارجية والداخلية والنقل، كما أن لمصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط مؤسسات موازية في الشرق، ويجري الطعن في الإدارة التي عينها رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز ال سراج على رأس المؤسسة الليبية للاستثمار وشركة الكهرباء في المحكمة من قبل الإدارة السابقة. 

جمود

وفي الوقت الحالي، توجد بضع مؤسسات قانونية في ليبيا، فقد انتهت ولاية مجلس النواب في طبرق يوم 20 أكتوبر 2015، ولا يمكن تمديدها إلا بعد المصادقة على حكومة الوفاق الوطني، ما لم يقم به المجلس، ولأنه لم يتم أبدا الموافقة على الحكومة في إطار التعديد الدستوري، ليس هناك وجود للمجلس الرئاسي و حكومة الوفاق الوطني فعليا في النظام القانوني الداخلي الليبي، كما أن ولاية محافظ مصرف ليبيا المركزي الحالي، انتهت في 26 سبتمبر الماضي، ومن غير المرجح أن يتم استبدالها، نظرا لحالة الجمود السياسي. 

وأوضح الكاتب أن لليبيا حكومة مركزية ضعيفة للغاية وقطاع أمني غير موحد، لكن رغم ذلك، تبقى المؤسسات النفطية والمالية تعمل، وقد كانت هذه الاستمرارية عاملا حاسما في الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار في البلاد، وكان ذلك هدفا أساسيا للسياسة الأمريكية التي نفذت من خلال سلسلة قرارات للأمم المتحدة، ومع ذلك، لا يمكن لهذا التوازن أن يدوم سوى فترة مؤقتة. 

وفي الوقت الحالي، تحتاج ليبيا لدفع 30 مليار دولار سنويا لتغطية الدعم، ولدفع الرواتب الحكومية، التي تمثل 80 بالمائة من القوى العاملة، ومنذ عام 2004 وحتى الآن، تم الالتجاء إلى احتياطات مصرف ليبيا المركزي، وهي احتياطات كانت تقدر بـ100 مليار دولار في منتصف سنة 2014، وانخفضت  إلى 40 مليار دولار بعد سنتين، وبالوتيرة الحالية، دون إصلاح الميزانية وإحداث تغيير في سعر الصرف بين الدينار الليبي والدولار الأمريكي، قد تستنزف الاحتياطات المالية في أقل من عامين.

وبين الكاتب أن السياسة التي اعتمدت في التصرف في الميزانية في فترة ما بعد القذافي، كانت مختلة، واختلت أكثر بعد انهيار الحكومة السابقة صيف 2014، وإنشاء كيانين متنافسين في الشرق والغرب، ومنذ ذلك الوقت، تكفل مصرف ليبيا المركزي لوحده بدفع رواتب الموظفين الحكوميين وتغطية الدعم على السلع الموردة، ويمثل هذا الدعم قسما مهما من "العقد الاجتماعي" في ليبيا، لكن زيادة العرض على السلع المدعومة، شجع على التهريب إلى الدول المجاورة، وفي نهاية المطاف، أصبحت ليبيا تعيش انهيارا اقتصاديا، في الوقت الذي تقوم فيه بنفقات غير منتجة : رواتب للوظيفة المدنية المتضخمة، تشمل  الكتائب المسلحة، ودعم يمثل نعمة للمهربين. 

عوائق

واعتبر الكاتب أن إصلاح الميزانية والحد من الإنفاق يمثل مهمة عسيرة، فأي طرف يريد إصلاح الاقتصاد الليبي سيواجه عدة عوائق : الأطراف التي لها مصالح من النظام الحالي، بما في ذلك "العصابات" المنظمة والكتائب، غياب الشرعية السياسية في البلاد مع مؤسسات ضعيفة للغاية وبرلمان غير فعال وشعب يعلق آمالا كبيرة على حكومة الوفاق الوطني، ويرى الوضع يسوء يوما بعد آخر. 

ومنذ شهر سبتمبر الماضي، ورغم أن "تحرير" القائد العام للجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر (المعين من قبل مجلس النواب) للهلال النفطي، أين يوجد 60 بالمائة من الموارد النفطية للبلاد، إلا أن الإنتاج النفطي ارتفع بشكل كبير، وتحصلت ليبيا على إعفاء من منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" من خفض الإنتاج، لذلك فإنه بالإمكان رفعه إلى مستويات قد تشكل فرقا في الميزانية، هذا وقد وصل الإنتاج حاليا إلى ما بين 600 ألف و700 ألف برميل يوميا، وتهدف المؤسسة الوطنية للنفط إلى بلوغ 900 ألف في وقت قريب، لكن المحافظة على هذا النسق يحتاج لتمويلات لأشغال الصيانة، التي لم يتم صرف سوى جزء منها، كما لرئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، مصطفى صنع الله، ثقة كل من ال سراج و حفتر ، وقد اقترح خلال حوارات في شهر ديسمبر بروما اتفاقا اقتصاديا لتقاسم ثروة البلاد. 

وهذا من شأنه أن يكون الطريق الصحيح، حسب الكاتب، واعتبر أن نظرة سريعة على خارطة حقول النفط وخطوط الأنابيب، تبرز ضبابية الحديث عن تقسيم لبيا بين ثلاثة أقاليم في وسائل الإعلام الغربية، فكل منطقة تحتاج للأخرى، وتنص قرارات الأمم المتحدة أن يتم بيع النفط عبر مؤسسة وطنية واحدة تتبع الحكومة المعترف بها دوليا، لكن صنع الله محق في اعتبار أن النفط هو مصدر الصراع في ليبيا، لكن يمكن أن يستخدم أيضا بإيجابية، ليكون في مسار عملية جديدة لتحسين الوضع الاقتصادي للبلاد. 

تحديات

وأشار الكاتب إلى أن تحقيق الاستقرار في ليبيا عبر اتفاق اقتصادي هو اقتراح مهم، ولكنه قد يواجه تحديات عملية صعبة، فالعملية البيروقراطية في ليبيا منقسمة ومختلة في كثير من الأحيان، فلا يوجد في ليبيا وزارة مالية، وقد اضطر محافظ مصرف ليبيا المركزي، الصادق الكبير، للعمل أيضا كمسؤول عن الخزانة العامة للبلاد، وهناك عدم ثقة متنامية بينه وال سراج ، الذي لم يظهر بدوره أي كفاءة في المجال الاقتصادي، إلى حد اقتراح بيع احتياطات الذهب في ليبيا لحل أزمة السيولة. 

هذا وقد عقد الأمريكيون والأوروبيون، بين أواخر أكتوبر وأوائل سبتمبر 2016، قمتين في لندن وروما، جمع بين ال سراج والكبير وصنع الله ومسؤولين اقتصاديين بارزين، وعين ال سراج أخيرا وزيرا للمالية ونائبا له، رغم جدل حول شرعية حكومته، وفي أواخر ديسمبر الماضي، تم الاتفاق على ترتيبات مالية بقيمة 37 مليار دينار ليبي، لكن التحديات ما تزال مستمرة، يتمثل التحدي الأول في سعر الصرف، فما تزال عائدات ليبيا في معظمها بالدولار، بينما يتم دفع الرواتب بالدينار، ويقدر سعر الصرف الرسمي بخمس سعر الصرف في السوق السوداء، وفيما قد ترغب الحكومة في تخفيض قيمة العملة، يبقى محافظ مصرف ليبيا المركزي حذرا، لأن ذلك قد يتسبب في المزيد من التضخم، ويؤدي إلى دوامة شبيهة بتلك التي تشهدها مصر في الوقت الراهن. 

أما التحدي الثاني فهو المصادقة على ميزانية جديدة، وهي ميزانية تأخذ في الاعتبار أسعار النفط في السوق، وتخفض من الدعم، وتدفع راتبا واحدا لكل ليبي، وتتحكم في النفقات، ومن غير الواضح ما إذا كانت الحكومة التي لم يصادق عليها البرلمان، يمكن أن تحصل على الموافقة للقيام بإصلاحات، كما يسمح الاتفاق السياسي الليبي للحكومة فقط بالقيام بتدابير استعجالية حتى بالنسبة للتي تحتاج فيها لتعاون مع المصرف المركزي. 

ويتمثل التحدي الثالث في الحفاظ على تدفق النفط ودفع الإنتاج، خاصة في الجنوب الغربي للبلاد، أين يمكن إنتاج 40 ألف برميل يوميا، كما أعيد فتح خط الأنابيب الذي يربطه بمحطات النفط في الساحل الليبي في الآونة الأخيرة. 

وعلى الرغم من أن هذه التحديات صعبة، إلا أن تحقيق الاستقرار مايزال واعدا، فمن جهة، لا يبدو أن حفتر قد يذعن للكتائب في الغرب، أو يقبل بإشراف حكومة مدنية، ومن جهة أخرى، من مصلحته أن يحافظ على تدفق النفط والتوصل إلى اتفاق بشأن الميزانية، ليتمكن من مواصلة النشاط والحصول على الرواتب. 

واعتبر الكاتب أن الاتفاق الاقتصادي من غير المرجح أن ينهي التنافس بين الأطراف المتناحرة في ليبيا، أو ينهي الانقسام المتزايد بين شرق وغرب ليبيا، لكنه قد يؤدي إلى تجميد العمليات العسكرية لصالح مصلحة مشتركة بين اللاعبين الكبار في البلاد، ويكمن المشكل في ما إذا كان السياق الحالي سيسمح باتخاذ ترتيبات محدودة أخرى، فقد تكون الإدارة الأمريكية الجديدة أقل اهتماما بالشأن الليبي، بعكس الدول الأوروبية، مع التركيز على المشاكل الداخلية.