المقالات

الهجرة..إعلان مالطا والفرص الضائعة

March 06, 2017

ترجمة المرصد الليبي للإعلام 

ذكرت الكاتبة ميليسا فيليبس، في مقال نشر بتاريخ 7 فبراير 2017 على موقع "ايرين" -شبكة الأنباء الإنسانية، تابعة لمكتب تنسيق الخدمات الإنسانية للأمم المتحدة، تأسست سنة 1994-، أن الزعماء الأوروبيين بدوا وكأنهم لم يتعلموا دروسا كثيرة في ما يتعلق بعقد اتفاقات تحوم حولها الشكوك لوقف تدفق المهاجرين، أثناء قمة الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي في مالطا. 

وأكدت أنه لا يمكن بناء شراكة في مجال الهجرة على أساس المصلحة الذاتية الأوروبية فقط، كما أن الخطب المنمقة والصور البلاغية وحدها، لا تشكل أساسا لسياسة سليمة. ولذلك على الإجراءات المتبعة لإبعاد المهاجرين غير الشرعيين أن تأخذ بعين الاعتبار الظروف المحلية التي تشجع شبكات الهجرة والتهريب، وإلا فإنها ستفشل لا محالة.

معالجة

في فاليتا، قدمت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تعهدات محددة بهدف وقف الهجرة غير النظامية في البحر الأبيض المتوسط، الذي يبدأ من ليبيا، وعقدت الحكومة الإيطالية أيضا اتفاق هجرة منفصل مع رئيس حكومة الوفاق الوطني ورئيس المجلس الرئاسي، فايز ال سراج ، وعلى الرغم من لهجة التهنئة الذاتية، التي غلبت على البيانات الصحفية عقب القمة، بما في ذلك تدوينة منسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، إلا أن هناك عدة أسباب تدعو للقلق.

وقد أشار معلقون آخرون بالفعل إلى التشابه بين اتفاق الهجرة الحالية بين إيطاليا وليبيا، والاتفاقات التي عقدت في عهد القذافي، لكن هناك اختلاف، وهو أن حكومة الوفاق الوطني التي تفتقر إلى سلطة شاملة على كافة البلاد، وهذا يشمل جنوب ليبيا، حيث ينص إعلان مالطا الطموح على إعطاء الأولوية للعمل مع السلطات الليبية من أجل تخفيف الضغط على حدود البلاد، ويعد التهريب مصدر رزق راسخ في الجنوب، والجدير بالذكر أن الفرنسيين يحتفظون منذ عدة سنوات بقاعدة عسكرية بالقرب من الحدود الليبية مع النيجر، لكنها لم تحقق نجاحا يذكر في السيطرة على المعابر الحدودية.

واعتبرت الكاتبة أن معالجة الأسباب الجذرية للتهريب في ليبيا، خاصة في الجنوب، تتطلب تحليلا أفضل لفوائد كل من الاقتصاد الكلي والجزئي، بالنسبة للمجتمع الليبي والجهات الفاعلة غير الحكومية، مع ذلك، لا يوجد أي أدلة حديثة تقريبا يمكن الاعتماد عليها في البحث عن العوامل الاقتصادية التي تؤدي إلى ازدهار عمليات التهريب، وقد أشار أحد قادة فرق العمل العسكرية في الاتحاد الأوروبي إلى أن السكان المحليين في المدن الساحلية يحققون أرباحا سنوية تبلغ نحو 300 مليون دولار من التهريب، لكن لا توجد تفاصيل حول كيفية التوصل إلى هذا الرقم، أو هوية المستفيدين الحقيقيين من تهريب البشر.

انتهاكات

ونجحت الحملة الأمنية التي يمولها الاتحاد الأوروبي ضد تهريب المهاجرين عن طريق شمال النيجر - الطريق الذي يستخدمه معظم المهاجرين للوصول إلى ليبيا - في الحد من حركة المهاجرين المسجلة عبر أغاديز، لكنها دفعت أيضا المهربين إلى فرض أسعار أعلى لنقل المهاجرين على طرق أكثر سرية وخطورة عبر الصحراء، في الوقت نفسه، لم تحقق جهود الاتحاد الأوروبي لتمويل مصادر رزق بديلة لصناعة التهريب في النيجر أي تأثير ملموس.

هذا وتجدر الإشارة إلى أن إعلان مالطا يتعهد بتوفير المزيد من التدريب والدعم لخفر السواحل الليبي، بهدف "تعطيل نموذج أعمال المهربين "، لكن على أرض الواقع، من المرجح أن يعني هذا اعتراض المزيد من القوارب في المياه الإقليمية الليبية، وإرسال ركابها إلى مراكز الاحتجاز، ويزداد الأمر تعقيدا، عندما نأخذ في اعتبارنا أن الجزء الأكبر من مراكز احتجاز المهاجرين غرب ليبيا، يخضع لسلطة وزارة الداخلية في حكومة الوفاق الوطني.

وقد وصفت الأوضاع في تلك المراكز مرارا وتكرارا بأنها غير إنسانية، ففي أحدث مثال على ذلك، قامت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بتوثيق العديد من الانتهاكات، وينص إعلان مالطا على أن الاتحاد الأوروبي سوف "يسعى إلى ضمان وجود قدرات وأوضاع استقبال ملائمة للمهاجرين في ليبيا، جنبا إلى جنب مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة". 

ومن غير الواضح ما إذا كان هذا يعني توفير المزيد من التمويل لمراكز الاعتقال التي تديرها حكومة الوفاق الوطني، وهي ممارسة تعرضت لانتقادات شديدة من قبل جماعات حقوق الإنسان، وسيشكل الاعتماد على مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة لضمان القيام بالرصد الكافي تحديا، إلى أن تتمكن مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الأخرى من العودة إلى ليبيا من تونس، حيث ما تزال هناك بسبب القيود الأمنية بالأساس.

وقد أوضحت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة في بيان مشترك الأسبوع الماضي، أنهما لا تدعمان استخدام ليبيا للاحتجاز التلقائي للمهاجرين، وأشارتا إلى أن "القيود الأمنية ما زالت تعيق قدرتنا على تقديم المساعدات المنقذة للحياة".

فرصة

وبينت الكاتبة أن تركيز قمة مالطا على مراكز الاستقبال، يمثل فرصة ضائعة لإيجاد بدائل للاحتجاز في السياق الليبي، وقد تم بالفعل بذل جهود أولية مع قبل الجهات الفاعلة في المجتمع المدني و الحكومة الليبية ، بدعم من المنظمات الدولية، لإيجاد بدائل لاحتجاز المهاجرين، ولكن في خضم حرصه على الحد من الهجرة غير النظامية، كشف الاتحاد الأوروبي عن عدم قدرته على مجاراة الحملات العالمية لجعل احتجاز المهاجرين ممارسة الملاذ الأخير، وكذلك المبادرات المحلية لتعزيز نهج مختلف.

علاوة على أن غياب الوجود الدولي المستمر في ليبيا، يعني أن هناك سوء فهم عميق للوضع داخل البلاد، ويمكن القول إن الهجرة ليست إحدى الأولويات الرئيسية في ليبيا في الوقت الحاضر، ويشير إعلان مالطا إشارة عابرة إلى الحاجة إلى الاستقرار في البلاد، ويتعهد بتقديم دعم أوروبي، قبل توضيح أن نواياه الحقيقية ما تزال متركزة في أولوية الاتحاد الأوروبي للحد من تدفقات الهجرة من ليبيا. 

وعلى سبيل المثال، فيما تدعي موغيريني أن قمة مالطا قد أظهرت أن هناك "طريقة أوروبية لإدارة تدفقات الهجرة"، يشير الإعلان عدة مرات إلى "تعطيل نموذج أعمال المهربين"، وهذه عبارة مأخوذة مباشرة من تصريحات رئيس الوزراء الأسترالي السابق، توني أبوت، الذي ادعت حكومته أن إيقاف قوارب المهاجرين يعتبر لفتة إنسانية لإنقاذ الأرواح.

وما لم يتخذ الزعماء الأوروبيون خطوات جادة وسريعة لمعالجة الأسباب الجذرية للهجرة الأفريقية نحو الشمال، ويروجوا لبدائل اقتصادية قابلة للاستمرار على المدى الطويل تُغني عن التهريب، سيتحول إعلان مالطا إلى مجرد قطعة أخرى من الورق في سلسلة من الاتفاقات الفاشلة مع ليبيا.