المقالات

كارنيجي للسلام: تحديات جسيمة أمام الغرب في ليبيا

March 06, 2016


ذكر الكاتب فريديرك واهري، في مقال صدر بتاريخ 3 مارس 2016 على موقع مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي - مؤسسة بحثية دولية، تأسست سنة 1910-، أن تفكك ليبيا والتداول على السلطة، خلق فراغا في السلطة استغله تنظيم "الدولة"، ما يجعل من الصعب للغاية بالنسبة للولايات المتحدة والقوى الغربية أن تتدخل، دون التغافل عن التحديات الجسيمة أمام الغرب.

وأوضح واهري أنه لا توجد قيادة عسكرية وطنية يمكن أن تقوم من خلالها الولايات المتحدة وحلفاؤها في الغرب بدعم جهود مكافحة الإرهاب، وما يثير القلق أكثر أن العديد من الفصائل الليبية ما تزال تحارب بعضها البعض دون تنظيم "الدولة"، وما يزال العديد منها يستخدم تهديد تنظيم "الدولة" كذريعة لشن الحرب ضد غريمه، ويتمثل الخطر الأكبر في أن يفاقم التدخل الخارجي ضد تنظيم "الدولة" الصراعات السياسية وتعزيز قوة "ال ميليشيات "، فضلا عن المزيد من الفوضى في البلاد.

واعتبر الكاتب أن التهديد المتزايد لتنظيم "الدولة" يتطلب استجابة قبل كل شيء من قبل الليبيين أنفسهم بدعم الغرب، ومن المرجح أن يشمل الدعم القوات الخاصة - حيث تشير التقارير إلى أنها تتواجد بالفعل في ليبيا - لتدريب وإسداء المشورة للوحدات المسلحة الليبية، بمساعدة الطائرات الغربية، ولكن أي إستراتيجية للقضاء على تنظيم "الدولة" يجب أن تهدف أولا إلى معالجة الانقسامات السياسية الليبية، وتقديم المساعدات بطريقة تعزز التعاون بين القوات المسلحة المتنافسة. 

تذبذب

ومنذ صيف 2014، استغل تنظيم "الدولة" الفراغ في الحكم عبر توسيع نفوذه وإرساء موطئ قدم له هناك، وجذب المقاتلين الأجانب وتدريبهم، وهو يسيطر حاليا على مدينة سرت الساحلية، وهاجم المنشآت النفطية القريبة، وأرسى في مدينة صبراتة مركزا لوجستيا لتدريب المقاتلين الليبيين والتونسيين وغيرهم للقتال في سوريا، كما أرسل في الآونة الأخيرة مئات المقاتلين من العراق وسوريا إلى ليبيا في خطة تراجع محسوبة، ويقدر العدد الإجمالي لمقاتلي التنظيم في ليبيا ما بين 3000 و6500. 

وتتمثل أكبر عقبة في مواجهة تنظيم "الدولة" بالنسبة لليبيين والحكومات الغربية على حد سواء في الانقسام السياسي الحاصل في ليبيا بين طبرق و طرابلس ، ففي العام الماضي، عرف الطرفان المتناحران صراعات داخلية على السلطة، والأسوأ من ذلك أن كل منهما ركز على منع الطرف المقابل من السيطرة على الأرض، بدلا من منع تنظيم "الدولة" من مزيد التوسع، وحتى في الحالات التي اتفقت فيها "ال ميليشيات " على تهديد تنظيم "الدولة"، قوض عدم الثقة في ما بينها الجهود العسكرية على الأرض.

وبيَن الكاتب أن ممثلين عن الجانبين وقَعوا مؤخرا اتفاقا توسطت فيه الأمم المتحدة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، ويأمل مسؤولون غربيون في أن تصدر هذه الحكومة قريبا دعوة رسمية للحصول على المساعدة العسكرية، ولكن يبقى هذا الاتفاق هشا وغير مكتمل، بعد أن تم التوصل إليه عبر ضغوطات غربية، على الرغم من مقاومة اللاعبين المحليين الرئيسيين.

وقد بدأ مجلس الرئاسة والهيئة التنفيذية بموجب الاتفاق في التعثر قبل أن يتم تشكيل الحكومة، وما لم تتحصل على الدعم الرسمي من قبل البرلمانين المتناحرين في ليبيا، فسينظر إليها دائما على أنها دمية في يد الغرب و"حكومة ثالثة"، وحتى لو تغلبت هذه الأخيرة على العقبات الأولية، ستواجه بسرعة المهمة الشاقة المتمثلة في إعادة تأسيس قيادة عسكرية مركزية وإرساء وحدات متكاملة.
ويمثل قائد الجيش الوطني الليبي( المعين من قبل مجلس النواب)، خليفة حفتر ، حجر عثرة رئيسي، حسب الكاتب، ويحول الفشل في عزله من إنشاء تسلسل قيادي موحد في ظل الحكومة الجديدة، وأبرز الكاتب أن "التحالف الفضفاض بقيادة حفتر هو نفسه منقسم، بما أن غالبية قواته ب بنغازي ليست من قوات الجيش النظامي، وإنما هي عبارة عن " ميليشيات ".

انقسامات

وأضاف الكاتب أن الإستراتيجية العسكرية الغربية ضد تنظيم "الدولة" تتبع مسارين: أولا التركيز على برامج التدريب من أجل إرساء وحدات جيش جديدة، ثانيا على جهود مكافحة الإرهاب وتقديم المساعدة للقوات على الأرض لمواجهة تنظيم "الدولة"، وهما مساران لا يعالجان مشكل الطائفية في القطاع الأمني، ما يجعل الأمور أسوأ، وبيَن أن برنامج التدريب يستند إلى فرضية خاطئة مفادها أن ليبيا تفتقر إلى المقاتلين المهرة، والحقيقة، ما تفتقده الحكومات هو القدرة على جلب هؤلاء المقاتلين تحت قيادة مركزية. 

وقد فشلت جهود التدريب بين سنتي 2013 و2014 في بناء جيش وطني، على خلفية عدم وجود هيئة عسكرية وطنية، يمكن أن ينضم إليها المجندون، ما أدى إلى عودة البعض منهم إلى "ال ميليشيات "، واعتبر الكاتب أن برنامجا تدريبيا آخر سيخاطر بتكرار هذا الخطأ، إلا إذا وافقت الحكومة الجديدة على خارطة طريق لبناء جيش موحد ومهني، وفي أفضل السيناريوهات، ستؤدي هذه الجهود إلى الحصول على جيش موثوق به للحكومات المستقبلية، رغم أنه لا يقدم إجابة فورية للتهديد العاجل لتنظيم "الدولة". 

في الأثناء، ستسعى الحكومات الغربية لدعم القوات الليبية ضد تنظيم "الدولة"، وهنا تكمن المشكلة، حسب الكاتب، فمن خلال التنسيق ومساعدة الجماعات المسلحة، قد يؤدي ذلك إلى تعزيز الانقسامات، ويقلص الحوافز للمصالحة السياسية، ويبدو أن هذا يحدث بالفعل مع التقدم الذي تحرزه القوات الليبية تحت قيادة حفتر في بنغازي ، فضلا عن ذلك ، يمثل التعامل مع مطالب "ال ميليشيات " المتنافسة تحديا كبيرا، فعبر إحداث تواجد على الأرض -معسكر تدريب أو مركز عمليات - مع جماعة مسلحة معينة، يمكن أن تخلق القوات الغربية انطباعا بالتحيز، ما سيدفع الفرقاء للبحث عن تحالفات موازية. 

وبيَن الكاتب أن الخطر كبير، خاصة في مدينة سرت والمناطق المحيطة بها، هذا وتتواجد أقوى "ال ميليشيات " المجهزة لتحرير سرت من سيطرة تنظيم "الدولة" في مدينة مصراتة ، ولكن شراكة أمريكية - أوروبية صريحة مع مصراتة ، قد تؤدي إلى عداوات داخل مدينة سرت، التي عانت عام 2011 من الانتهاكات التي تعرضت لها من قبل " ميليشيات " الأخيرة ، وعلى نفس المنوال، سيؤدي الدعم الغربي لـ"ال ميليشيات " شرق سرت، مثل حرس المنشآت النفطية بقيادة إبراهيم الجضران، إلى أن ترفع هذه الجماعات أسلحتها على منافسيها في مصراتة في خضم الصراع على الموارد النفطية في المنطقة. 

تعزيز

واعتبر الكاتب أن دعم مكافحة الإرهاب في ليبيا، يجب أن يعزز بناء مؤسسات سياسية وأمنية شاملة، كما ينبغي إعطاء الأولوية الرئيسية لدعم إنشاء وحدات متكاملة في قطاع الأمن، وعلى المستوى السياسي، يتطلب ذلك التزاما بتجاوز أزمة القيادة العسكرية وتعزيز التعاون بين ممثلي الأطراف المتنافسة في مجلس الرئاسة والحكومة والقيادة العسكرية. 

وعلى الأرض، يجب أن يربط الغرب الدعم لمكافحة تنظيم "الدولة" بعملية إدماج الجماعات المسلحة، ولكي تكون مؤهلة للحصول على هذا الدعم، ينبغي على هذه الجماعات، على سبيل المثال، قبول حكومة الوحدة الوطنية والخضوع لقيادتها، ولكن هذا لن يكون كافيا، فلتجنب زعزعة استقرار البلاد، يجب أن تشمل المساعدة العسكرية الغربية أيضا وضع آليات للتنسيق بين القوات العسكرية الليبية على الأرض، ويمكن أن يشمل هذا مراكز قيادية بين "ال ميليشيات " على المستوى الإقليمي، وذلك بهدف إنشاء هياكل قيادة مركزية، وفي نهاية المطاف، حل "ال ميليشيات " المحلية وإرساء وحدات جيش موحد.

ويجب على المستشارين الغربيين أن يشجعوا "ال ميليشيات " من مصراتة وأجدابيا وجنوب ليبيا، على سبيل المثال، على التعاون مع ضباط الجيش من سرت لقيادة هجوم ضد تنظيم "الدولة" في المدينة. 

وأبرز الكاتب أن مراكز القيادة الإقليمية ستضم ضباط الجيش المحليين وقادة "ال ميليشيات " ومستشاري العمليات الخاصة الأجانب، الذين سيسهلون نقل المعلومات الاستخباراتية والتصرف كأطراف محايدة، ومن أجل ذلك، يجب على الدول الغربية أن تنسق جهودها بشكل وثيق، وستحتاج في ذلك للتأكد من أن القوى العسكرية الإقليمية مثل مصر وقطر والإمارات العربية المتحدة ستدعم هذه الإستراتيجية، ولن تحاول إنشاء قنوات موازية.

وقبل كل شيء، يجب أن يوجه التدخل الغربي في ليبيا نحو دعم حكومة الوحدة الوطنية، لأنها ستحتاج لأي دعم يعزز التنسيق بين الجماعات المسلحة، ولا ينبغي أن تتحصل أي مجموعة على الدعم، إلا إذا تم اعتبارها محايدة داخل الصراعات الداخلية على السلطة وموالية لحكومة الوحدة الوطنية، علاوة على ذلك، إذا نجحت الحكومة في إعادة توحيد هياكل القيادة، ينبغي أن توجه المساعدات الغربية وفقا لسلسلة القيادة، وليس مباشرة إلى مراكز التنسيق الإقليمية. 

وبطبيعة الحال، إذا بقي مجلس الرئاسة مشلولا بسبب الانقسامات الداخلية، أو إذا انهار الاتفاق، لن يكون لمراكز التنسيق الإقليمية أية فرصة للتطور لتصبح قاعدة لجيش متكامل، واعتبر الكاتب أن على أقل تقدير، ستساعد الإستراتيجية على الحد من مخاطر تنامي الانقسامات السياسية، ما يساهم في فشل حكومة الوحدة الوطنية.

 

 *ترجمة المرصد الليبي للإعلام
* مؤتمر صحفي  لفايز ال سراج رفقة فيديريكا موغريني ( أرشيفية: انترنيت)