المقالات

دور المصرف المركزي في تحقيق الاستقرار المالي

March 29, 2017

 

المصدر: بوابة الشرق

د. محمد فوزي 

يلعب المصرف المركزي دوراً مهماً في تمثيل الدولة وبسط سيادتها على أنشطة الحياة اليومية ( المالية - الاقتصادية - الاستثمارية - التجارية - الاجتماعية) سواء للفرد أو المجتمع ككل فالمصرف المركزي يعكس دور الحكومة في النشاط المالي والاقتصادي وذلك من خلال التحكم باتجاهات التعامل النقدي في السوق، وضبط السياسة النقدية، وتوجيه الموارد ومجالات الإنتاج نحو الاستخدام الأمثل والفعال وفق الإمكانات المتاحة للدول ، وإصدار الأوراق النقدية، والمحافظة على مستويات الدخول والأسعار، ومراقبة أسعار الصرف، واتخاذ التدابير اللازمة لإستقرار الحياة الاقتصادية والمالية عموما مستعينا بالأساليب والوسائل التي تمكنه من الأداء الكفء والفعال لهذه المهام .

- بالإضافة إلى أنه يزاول مجموعة من الوظائف الأخرى (مباشرة - غير مباشرة) من أهمها متطلبات الحد الأدنى للاحتياطي، وتطبيق آلية سعر الخصم، ودور المقرض الأخير، وعمليات السوق المفتوحة، وبالرغم من أهمية الأدوار الوظيفية التي ينهض بها المصرف المركزي عموما من خلال تحمله لأعباء المسؤولية القانونية بإعتباره بنك الدولة وبنك البنوك فمن خلال المهام والوظائف التي يطلع بها قانونا تتضح مدى قوة النظام النقدي والمصرفي الكلى ومن ثم المالي والاقتصادي للبلد المعني فضلا عن كونه المرجع المسؤول عن مراقبة تنفيذ السياسة النقدية للدولة وكذلك سياستها المصرفية من خلال أدواته ووسائله التي قد تختلف من نظام إقتصادي لآخر حسب مدى قوة هذا الدور وحد تدخل الدولة في النشاط المالي والاقتصادي .

- أما على الساحة الاقتصادية العالمية فقد احتلت دراسات تحقيق الاستقرار المالي مركز الصدارة ضمن الاهتمامات الرئيسية لكل الجهات الحكومية والمالية والاقتصادية سواء أفراد أو مؤسسات على المستوين المحلي والدولي وأصبحت محط أنظار البنوك المركزية للدول والمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية مثل صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي (WB) وبنك التسويات الدولي ( BIS) التى اعتادت جميعها على إصدار تقارير دورية عن الاستقرار المالي بل وخصصت جوانب من نشاطها لبحث دراساته والسعى لتحقيقة وسيشمل هذا التحليل قراءة لأحد الكتب الصادرة عن بنك التسويات الدولي عام 2010 م حسب العرض التالي : -

أولا : الاستقرار المالي ( Financial Stability )

التأكد من قوة وسلامة عمل جميع مكونات النظام المالي والاقتصادي مما يعني غياب الاضطرابات في هذا النظام فالمغزى من الاستقرار المالي يتجاوز المفهوم البسيط لعدم وقوع الاضطرابات والنظام المالي يكون مستقرا إذا ما اتسم بإمكانات معينة مثل تيسير كفاءة الموارد الاقتصادية وتوزيعها حسب المناطق بجانب العمليات المالية والاقتصادية الهامة الأخرى مثل الادخار- الاستثمار- الإقراض - السيولة وتوزيعها وتحديد أسعار الأصول وتراكم الثروة ونمو الناتج وتقييم مخاطر المالية وإدارتها واستمرار القدرة على أداء الوظائف الأساسية للنظام ومكوناته على أكمل صورة .

ثانيا :عدم الاستقرار المالي ( Financial Instability )

عرفه صندوق النقد الدولي (IMF) أنه يمثل فترات عدم الاستقرار المالي في الأسواق المالية والتي تتحول لفترات الاضطرابات الحاد وتضعف قابلية النظام على تقديم خدمات الدفع إلى السعر ومخاطر التحويل وتخصيص الائتمان والسيولة ومن المحتمل أن يؤدي الى انخفاض النشاط الحقيقي في الاقتصاد .

ثالثا : الأهداف المنوطة بالمصارف المركزية لتحقيقها

الأهداف الكلية للمصارف المركزية تمثل الحفاظ على الاستقرار النقدي وتشجيع النمو الاقتصادي المطرد وفق السياسات الاقتصادية العامة وهذه أهم المهام المنوطة بالمصرف المركزي في إطار الأعمال والوظائف والاختصاصات الأخرى التي ينص عليها قانون الدولة وتكتسب هذه المهام أهمية متفاوتة بين الدول وتختلف في نتائجها بقدر نجاح المصرف المركزي في استخدام أدواته ووسائلة المتنوعة ومنها :-

• تنظيم السياسة النقدية لدعم النقد والمحافظة على الاستقرار محليا ودوليا .

• ضبط وتوجيه سياسة الائتمان وتأكيد توفير الائتمان المحلي (كما - نوعا) وفقا لحاجة الاقتصاد.

• خلق الأجواء المناسبة لتنمية وتنفيذ عوامل الادخار والاستثمار وفق السياسة النقدية والائتمانية المعتمدة .

• المساهمة في معالجة أوضاع موازين المدفوعات بإستخدام السياسة النقدية والمالية .

• إدارة الاحتياطات من الذهب والعملات الأجنبية الأخرى .

• إدارة وتنظيم ورقابة القطاع المالي والمصرفي وممارسة دور بنك البنوك والمقرض الأخير .

رابعا : وسائل المصارف المركزية لتحقيق الاستقرار المالي

تقوم المصارف المركزية بتحقيق الأهداف من خلال الأدوات والأساليب التي يتضمنها دستورها من تشريعات وقوانين ومن ثم تضطلع بمجموعة من المهام سواء ما تعلق منها بإدارتها للسياسة النقدية أو الرقابة والإشراف على الجهاز المالي والمصرفي وذلك كله بهدف السيطرة على عرض النقود تمهيداً للسيطرة على التضخم ووصولا إلى توازن ميزان المدفوعات بما يؤدى لتحقيق نمو في الاقتصاد باستخدام مجموعة من الأدوات التقليدية والفاعلة منها :-

( عمليات السوق المفتوحة - إعادة خصم الأوراق التجارية - وضع سقوف الائتمان - نسـب السيولة - تحديد نسب الاحتياطي النقدي - مراقـبة أسعار الصـرف - مبادلة العملات الأجنبية - تحديد سعر الفائدة )

خامسا: دور الإدارة الرشيدة للمصارف المركزية في تحقيق الاستقرار المالي والمحافطة عليه

أصدر بنك التسويات الدولي (Bank for International Settlements) مجموعة من الدراسات والأبحاث في كتاب عن ( الإدارة الرشيدة للبنك المركزي والاستقرار المالي ) عام 2010 م تتناول الفصول الأولى من الكتاب مهام ووظائف المصارف المركزية في تحقيق الاستقرار المالي في الظروف العادية وغير العادية والتي تمثل الاضطرابات المالية والاقتصادية أما الجزء الأخير من فصوله فيشمل دراسات عن السياسة الوقائية للمصرف المركزي الخاصة بالمؤسسات المالية والنتائج المستفادة منها وفي قراءة مختصرة لمحتويات هذا الكتاب وفصولة الثلاثة التي تشمل:-

أ‌- وظيفة المصارف المركزية في تحقيق الاستقرار المالي خلال الفترات العادية

شملت الدراسة عددا من المؤسسات المركزية وأوضحت النتائج التحليلية والمقارنة أن وظيفة المصارف المركزية في تحقيق الاستقرار المالي في ظل الأوضاع الإقتصادية العادية وفي معظم هذه البنوك تقوم بأدوارمختلفة ويعزى ذلك لعدد من العوامل أهمها اختلاف القوانين واللوائح السياسية والهياكل التنظيمية للمؤسسات المختلفة وتوزيع وتنسيق المهام مع الجهات الأخرى ذات الصلة ومثال ذلك يقوم البنك المركزي بالرقابة الوقائية الجزئية وبالتالي يقوم بتوفير السيولة الطارئة للمصارف وتوصلت الدراسة إلى عدم توافر مصرف مركزي في عينة الدراسة استهدف بوضوح الاستقرار المالي وإنما جاء ذلك ضمنيا في أهداف السياسة النقدية والمصرفية .

ب‌- وظيفة المصارف المركزية في تحقيق الاستقرار المالي خلال الفترات غير العادية

تقوم المصارف المركزية في الأحوال العادية بإعداد ومتابعة السياسة النقدية ونظام الدفع والتدخل في بعض الأحيان إذا كان هناك ضرورة فمثلا معالجة ارتفاع معدل التضخم وتدهور سعر الصرف بجانب دورها الرقابي والإشرافي على المصارف مستخدمة الأدوات سواء المباشرة وغير المباشرة ولاحظت الدراسة أن هذا الدور هو نفسه الذي تقوم به المصارف المركزية خلال فترة الإضطرابات وخاصة الأزمة العالمية (2008 م) ثم قامت المصارف المركزية في دول أخرى بدور المقرض الأخير وذلك بتوفير السيولة لعدد من المصارف والمؤسسات المالية مقابل ضمانات معينة وفق الحالات المستعجلة أو بدون ضمانات وفيما يتعلق بالترتيبات والمقترحات ركزت الدراسة على السياسات التي تحد من حدوث الأزمات والترتيبات وإدارتها والتعامل معها ويتطلب ذلك توفير المصارف المركزية للسيولة الطارئة للمؤسسات المالية التي تواجه نقص السيولة وكذلك تقديم التمويل الطارئ وإعداد الترتيبات والإجراءات لإدارة عملية أنشطة هذه المؤسسات والتي قد تكون بنوكا وشركات أموال أو أي مؤسسات مالية واقتصادية متنوعة .

ج- السياسات الوقائية للمصارف المركزية

يقوم المصرف المركزي في معظم الدول بالتنسيق مع الجهات ذات الصلة كوزارة المالية والاقتصاد والأعمال والتجارة ( داخلية - خارجية ) بمهمة تحقيق الاستقرار المالي والمحافظة عليه وذلك من خلال إعداد ومتابعة تنفيذ السياسة النقدية وسياسة النقد الأجنبي والسياسات المصرفية والرقابية وتشير الدراسة أن قيام المصرف المركزي بإعداد وتنفيذ السياسات الوقائية الخاصة بالمؤسسات المالية قد أدى الى تحسين فعالية هذه السياسات وذلك نسبة لتوفير البيانات المتعلقة بأداء هذه المؤسسات ودرجة الترابط بينها وتأثيرها على بعضها وتقوم الإدارة المعنية بالرقابة الوقائية بالمصرف المركزي بتحليل الميزانيات وحساب الأرباح والخسائر بصورة دورية يتم تحديدها ومن ثم إعداد التقارير التي تتضمن التوصيات والمعالجات المالية والمحاسبة لأي إضطرابات يتوفع حدوثها وبالتالي يتم التحوط لاحتمال ظهورها من خلال أن تقوم الوحدات التابعة للمؤسسات المسؤولة عن تنفيذ سياسة الرقابة الوقائية الجزئية وتطبيقها بصورة :-

1- تتسق مع فعاليات الحوكمة الرشيدة ( ( Governance.

2- تراعي التنسيق مع أهداف السياسة النقدية والسياسات المصرفية والرقابية الأخرى.

3- تعتمد تطبيق هذه السياسات على الهيكل المؤسسي ودرجة تطور السوق المالي والترتيبات السياسية والتجارب الماضية .

4- تتفق مع الرأى الاقتصادي بأنه ليس هناك معالجات موحدة للاضطرابات في أداء المؤشرات المالية والمصرفية تتوافق مع الاقتصاديات المتنوعة للدول.