المقالات

وغدت ليبيا ساحة حرب بالوكالة ؟

April 09, 2017

 

ترجمة المرصد الليبي للإعلام  

بين الكاتبان فريديريكا سايني فازانوتي وكريم مزران، في مقال صدر بتاريخ 3 أبريل 2017 على موقع "معهد بروكينغز" -مؤسسة بحثية أمريكية، تأسست سنة 1916-، أن التطورات الأخيرة التي شهدتها ليبيا تجعل من الصعب التفاؤل بشأن بقاءها دولة موحدة ومستقرة، وقد تصاعدت علميات الهجرة غير الشرعية، ما أثار القلق في جميع أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسط. 

ويتفاقم هذا الوضع في ليبيا نفسها التي تعيش في حالة فوضى دائمة، تتسم بالقتال بين الكتائب المسلحة والعصابات والقبائل، وتمثل الاشتباكات الأخيرة في حقل السدرة مثالا على حالة عدم الاستقرار وانعدام القانون. 

ضعف

واعتبر الكاتبان أن ما تفتقر إليه ليبيا اليوم هو قيادة قوية وحازمة، يدعمها برنامج سياسي شامل، يمكن أن يعالج التدهور السريع في البلاد، وكانت هناك تكهنات كبيرة حول ما إذا كانت الدول الغربية ستوقف دعمها للمجلس الرئاسي في طرابلس ، وتحوله إلى القائد العام للجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر (المعين من قبل مجلس النواب)، ويرى البعض أن حفتر سيكون الشخص المناسب للحفاظ على وحدة البلاد وضمان قدر من الاستقرار، وبالتالي السماح بمعالجة كم التحديات، الهجرة والإرهاب. 

ولكن هذا سيكون خيارا خاطئا، حسب الكاتبين، لأن لا أحد اليوم في ليبيا لديه القوة اللازمة لتحقيق النصر العسكري أو حكم البلاد، وسيتسبب القتال في أضرار دائمة للنسيج الاجتماعي الليبي، ما يهدد باستمرار حرب العصابات والإرهاب، وليس هناك حل بديل عن التفاوض، ويتمثل التحدي في التوصل إلى حل مستدام. 

وذكر الكاتبان أن ليبيا أصبحت على نحو متزايد ساحة حرب بالوكالة بين الجهات الفاعلة الأجنبية، ولذلك، فإن وجود جبهة دولية موحدة أمر ضروري لنجاح المفاوضات الدولية حول مستقبل ليبيا، ولكن ما قامت به القوى الدولية تسبب في توليد ردود فعل سلبية أكثر منها إيجابية. 

وأوضح الكاتبان أن إيطاليا مثلا دعمت المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة والمجلس الرئاسي منذ البداية، لكن البعض في ليبيا اتهموها بالاحتلال الجديد، ففي يناير الماضي، كانت إيطاليا أول دولة غربية تعلن عن إعادة فتح سفارتها في طرابلس ، وهي خطوة محفوفة بالمخاطر، ومع ذلك، أرسلت إشارة قوية لدعم رئيس المجلس الرئاسي فايز ال سراج ، وفي إشارة مسبوقة عن حسن النية عام 2016، أرسلت إيطاليا بعثة إلى مصراتة من أجل إرساء مستشفى ميدانيا لعلاج الجنود الجرحى الذين يقاتلون تنظيم "الدولة" ( داعش ) في سرت، وبالنظر إلى عدم كفاية المنشآت الطبية في ليبيا، كانت تلك بادرة مهمة. 

ولكن بعض الأطراف الليبية انتقدت التدخل الإيطالي، وقد عرضت الحكومة الإيطالية تركيب مستشفى ميدانيا للجيش الوطني الليبي، وكان قائد حكومة الإنقاذ الوطني السابقة، خليفة الغويل، قد دعا رئيس الوزراء الإيطالي باولو جنتيلوني إلى "سحب قواته" من مصراتة ، بسبب "تاريخ إيطاليا الاستعماري الفاشي"، في الوقت نفسه، أصدر رئيس مجلس النواب في طبرق مذكرة عاجلة لجميع السفارات الأجنبية والمكاتب القنصلية، يخبرهم فيها بأن "سفينة عسكرية إيطالية محملة بالجنود والذخيرة قد دخلت المياه الإقليمية الليبية"، معتبرا أن ذلك "انتهاك واضح لميثاق الأمم المتحدة، وشكل من أشكال العدوان المكرر"، حدث كل ذلك في الوقت الذي وصلت فيه السفينة الروسية إلى ساحل برقة، واستقبلت حفتر على متنها. 

مسؤولية

وأبرز الكاتبان أنه ما من شك في أن إيطاليا ارتكبت أخطاء جسيمة في الماضي، وفي الآونة الأخيرة أيضا، ومع ذلك، كان سلوكها تجاه ليبيا بعد عام 2011 متماسكا وشفافا، ليس فقط بالكلمات، ولكن بالأفعال، وكان ذلك واضحا في سلوك السفير الإيطالي في طرابلس ، جيوسيبي بيروني، ففي أوائل شهر فبراير الماضي، سافر بيروني إلى طبرق للقاء رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح وأعضاء آخرين من المجلس، سعيا للتوصل إلى حل سياسي، وبعد السيطرة المؤقتة لـ"سرايا الدفاع عن بنغازي " على المنشآت النفطية في مارس الماضي، أقرت الحكومة الإيطالية دعمها لتسليم المنشآت إلى المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس ، ما سمح ل حكومة الوفاق الوطني بمواصلة بيع النفط والتمتع بعائداتها من حقل السدرة، فيما يمكن مناقشة هذا القرار نفسه، فقد كان بالتأكيد متماسكا ولا يمكن أن ينعت بالاستعماري. 

وذكر الكاتبان أن  إيطاليا تحاول أن تحافظ على الاهتمام الدولي بليبيا، وقدمت مساعدات إنسانية كبيرة لها عبر استضافة المئات من الجرحى الليبيين في مستشفياتها، وهي تريد تحقيق الاستقرار والسلام في ليبيا، على عكس العديد من الجهات الدولية الفاعلة الأخرى، وهي تعترف بأهمية استقرارها وإحلال  السلام فيها، وأضافا أن ليس لإيطاليا "مشروعا استعماريا" أو نية لإقامة محمية أو توسيع نفوذها على السواحل الليبية، وتدرك إيطاليا ببساطة أن مصير البلدين مرتبط مرة أخرى بسلسة من التدخلات الدولية في ليبيا، وليست كلها إيطاليا، هذه المرة. 

وأوضح الكاتبان أن العديد من الأطراف تدخلت على مدى السنوات الستة الماضية في ليبيا،  دون مشروع مشترك، وبأهداف خاصة، وقد أفسد ذلك عملية الانتقاء الطبيعي على المستوى السياسي، ليس لصالح القائد الأكثر استحقاقا، لكن لصالح ذلك الذي يمتلك عددا أكبر من الأسلحة، وكانت الآثار مدمرة، ما يسهل تفكك المجتمع الليبي، ويجب على جميع الأطراف الدولية أن تسأل نفسها اليوم : إلى أين نتجه في ليبيا؟ فإذا كان الاستقرار والأمن هما الهدفان الفعليان، فلا يوجد بديل للجهات الفاعلة الدولية لدعم المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة ودعم الاتفاق السياسي الليبي مع إدخال التعديلات اللازمة. 

الكاتبان : فريديريكا سايني فازانوتي، باحثة مختصة في السياسة الخارجية

كريم مزران، باحث لدى مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط (المجلس الأطلسي)