المقالات

ليبيا وتحديات مكافحة أزمة السيولة

May 12, 2017

 

ترجمة المرصد الليبي للإعلام 

ذكر الكاتب جايسون باك، في مقال نشر بتاريخ 8 مايو 2017 على موقع "المونيتور" -موقع إعلامي أمريكي، تأسس سنة 2012-، أن بعد مرور ست سنوات على سقوط معمر القذافي عام 2011، تواجه ليبيا تحديات سياسية واجتماعية وأمنية كبيرة، فالجهود الدولية الهادفة إلى إصلاح الشرخ السياسيّ والمؤسسي العميق بين الفصائل السياسية والعسكرية المتناحرة في ليبيا توقفت في الأشهر الأخيرة. ويستمر النزاع في مناطق التهريب غرب ليبيا، وحول الموانئ والمنشآت النفطية في منطقة الهلال النفطي.

 
أزمة
 
وفي ظل عدم الاستقرار والفوضى والخروج عن القانون، تؤرق حالة الاقتصاد الليبي الحرجة الكثير من الليبيين، ففي الشهر الماضي، انخفضت قيمة الدينار الليبي من 6 إلى 9 مقابل الدولار الأمريكي في السوق السوداء، وتعني أزمة السيولة المستمرة -يقدر أن أكثر من 90 في المائة من السيولة الليبية هو خارج النظام المصرفي- أن المواطنين عاجزون عن سحب الأموال من مصارفهم، وأنهم غالبا ما لا يتلقون رواتبهم، بسبب عدم توفر النقود لدى أصحاب العمل.
 
وبينما تحاول المؤسسات المالية الليبية إنعاش الاقتصاد المثقل بالرواتب الحكومية، والدعم المرتفع واحتياطي عملات أجنبية مستنفد، ومستويات عالية من الفساد، تسجل ليبيا عائدات نفطية محدودة، بسبب الإنتاج المنخفض وأسعار النفط المنخفضة، ويبلغ الإنتاج النفطي الليبي حاليا حوالي 760 ألف برميل في اليوم، لكن الحصار المتكرر والإضرابات والمنافسة المستمرة بين الخصوم السياسيين وكتائبهم الحليفة للسيطرة على الصادرات النفطية المهمة للغاية، أدت إلى تراجع الإنتاج مرات عدة إلى 500 ألف برميل في اليوم في الأشهر الأخيرة.
 
بالإضافة إلى ذلك، تعني التجزئة المؤسسية أن فرع مصرف ليبيا المركزي في طرابلس المعترف به دوليا ومصرف ليبيا المركزي المنافس له شرق ليبيا، يعتمدان سياسات نقدية مختلفة ومتعارضة في غالب الأحيان للتعامل مع الأزمة، والأخطر من ذلك هو الانقسامات داخل المصرف في طرابلس ، فالخلاف القائم بين ديوان المحاسبة في طرابلس ، الذي يتولى المراقبة المالية، ومصرف ليبيا المركزي، يعيق محاولات اعتماد تدابير اقتصادية جديدة، وفي بيان نادر، وصف الديوان مصرف ليبيا المركزي بأنه غير كفء ومتواطئ في غسيل العملات الأجنبية، وتهريبها إلى خارج ليبيا.
 
قرارات 
 
وأشار محافظ مصرف ليبيا المركزي في طرابلس ، الصديق الكبير، مؤخرا إلى أن الدينار الليبي يتعرض للهجوم، وأكد ديوان المحاسبة على كلامه هذا، مشيرا إلى أن هبوط قيمة الدينار في السوق السوداء يستند بالدرجة الأولى إلى طلب قائم على المضاربة، لا إلى طلب حقيقي، ويزعم بعض الخبراء الماليين أيضا أن التجار والمستوردين يلجأون عمدا إلى المضاربات لإجبار مصرف ليبيا المركزي على تخفيف القيود على خطابات الاعتماد.
 
وتجيز القوانين الخاصة بالقطاع المصرفي لمصرف ليبيا المركزي إعادة النظر في سعر صرف الدينار مقابل العملات الأخرى، على ضوء التغيرات في العرض والطلب، بالإضافة إلى أولويات أخرى متعلقة بالسياسات الاقتصادية، ومع أن الكبير يفكر في خفض قيمة الدينار، إلا أنه يتردد في الإعلان عن ذلك، ويقاوم على ما يبدو الضغوط التي تمارسها عليه حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا من أجل فعل ذلك، فقد ذكر في مؤتمره الصحفي الأخير أن القرارات الاقتصادية الموجعة ضرورية، لكنه لم يتطرق إلى أي حلول مهمة مرتبطة بالسياسات للأزمة الاقتصادية الليبية، ويؤيد ديوان المحاسبة أيضا خفض قيمة الدينار مؤقتا إلى جانب تدابير غير مالية أخرى لإنقاذ الاقتصاد، لكن يخشى منتقدو هذه المقاربة ألا يحقق خفض قيمة الدينار أي نتيجة، وأن يكون عوضا عن ذلك بمثابة ضريبة مستترة، ستكبد المواطنين الليبيين تكاليف اجتماعية وأمنية إضافية.
 
صعوبات
 
وبين الكاتب أن في الأوضاع الاقتصادية الطبيعية، يتم اللجوء إلى خفض قيمة العملة لزيادة التنافسية الدولية، بما أن الطلب الخارجي على السلع والخدمات الخاصة ببلد معين، له دور مهم في تحديد سرعة النمو الاقتصادي، وعند مناقشة خفض قيمة العملة، يكون الهدف في غالب الأحيان استحداث فرص عمل، وعندما ترتفع أسعار السلع المستوردة في عملة محلية، يحد ذلك من الواردات، ما يعزز المخرجات المحلية وشراء السلع المحلية، وتجذب السلع والخدمات المنتجة محليا الأجانب، بعد أن يؤدي خفص قيمة العملة إلى زيادة الصادرات بشكل كاف، وينجم عن ذلك توازن أو حتى فائض في الميزان التجاري.
 
ولكن لا شيء من ذلك ينطبق على ليبيا، فبصفتها مصدرة للنفط ودولة ريعية، تلجأ إلى خفض قيمة عملتها لتثبيت الأموال العامة والحفاظ على احتياطي العملات الأجنبية وحل أزمة السيولة، من خلال تحديد قيمة لخطابات الاعتماد أعلى بكثير بالعملة المحلية، وزيادة العائدات الحكومية، وموازنة الحساب الحالي. 
وفي ليبيا، يعاني القطاع العام من تضخم بوجود 1,3 ملايين موظف (من أصل 6 ملايين نسمة)، وبالتالي، يمكن القول إن خفض قيمة العملة في ليبيا لا يتعلق بتعزيز المخرجات المحلية وحل مشكلة البطالة.
 
ومن خلال إضعاف الدينار، يسعى مصرف ليبيا المركزي إلى إبقاء العائدات النفطية واحتياطي العملات ثابتة، وبالتالي مكافحة أزمة السيولة في القطاع العام، فالنفط يسعر بالدولار، لكن غالبية النفقات الحكومية بالدينار، على غرار الرواتب، وهذا ما يعكس العائدات النفطية وكمية الدينارات التي تنتجها أهمية كبرى.
ويبدو أن ليبيا ستضطر في نهاية المطاف إلى خفض قيمة عملتها، لكن السؤال متى، وفي ظل أي ظروف سياسية، ونظرا إلى استمرار الجمود السياسي، من المتوقع أن يؤدي خفض قيمة العملة إلى أسعار مرتفعة للغاية، وطوابير دائمة أمام المصارف وسلب ونهب، ومع أن خفض قيمة العملة خطوة غير محسوبة في ليبيا، إلا أن تحقيق إنجاز سياسي من شأنه إعادة الأمل ومساعدة الليبيين على تحمل معاناتهم الاقتصادية.