المقالات

الاقتصاد الليبي رهن الحل السياسي

June 27, 2017

ترجمة المرصد الليبي للإعلام 

ذكر الكاتبان محسن خان وكريم مزران، في مقال نشر بتاريخ 21 يونيو 2017 على موقع «ذي أتلانتيك كاونسل» - مؤسسة بحثية أمريكية، تأسست سنة 1961-، أنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق سياسي في ليبيا دون تحسن اقتصادي واستقرار سياسي ضروريان لإنعاش الاقتصاد، ويتوقف ذلك على الإنتاج النفطي والصادرات النفطية، ومن أجل ذلك، يجب إحلال الأمن والسلام، ما سيسمح باستئناف تشغيل الآبار والمحطات النفطية. 

وقد تم التوصل إلى اتفاق سياسي بين الأطراف الرئيسية في الصخيرات في ديسمبر 2015، لكنه لم يكن فعالا، وهو الذي نص على إنشاء حكومة الوفاق الوطني، بالتوازي مع الحكومة المؤقتة شرق ليبيا، ما خلق نظاما سياسيا ثنائي القطب في ليبيا، وفشلت كل المحاولات للتوفيق بين الطرفين، ويبقى أن نرى إذا ما كان المبعوث الخاص الجديد للأمم المتحدة إلى ليبيا، غسان سلامة، سينجح في ما فشل فيه أسلافه، واعتبر الكاتبان أن فشل التوصل إلى اتفاق سياسي هو المسؤول في جزء كبير منه عن الأزمة الاقتصادية الجارية. 

شريان

وبين الكاتبان أن الاقتصاد الليبي في حالة سقوط حر منذ الإطاحة بنظام القذافي، وقد سجلت السنوات الست الماضية 2011-2016 معدلات نمو سلبي للناتج المحلي الإجمالي وارتفاع البطالة والتضخم، وانخفاض كبير في الصادرات واحتياطات النقد، وتراجع سريع لقيمة الدينار الليبي مقابل الدولار الأمريكي في السوق الموازية. 

وهناك مؤشرات بالخصوص تلقي الضوء على هذا الواقع، أولها انخفاض الناتج المحلي الإجمالي سنة 2016 بأكثر من النصف مقارنة بعام 2010، ليصل إلى 33،2 مليار دولار مقابل 73،6 مليار دولار، والثاني انخفاض دخل الفرد الواحد ليصل إلى أكثر بقليل من 5 آلاف دولار عام 2016 مقابل أكثر من 11 ألفا عام 2010. 

ويبدو أن العام الحالي لن يكون مختلفا، حيث تتفق المنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على أن الاقتصاد سيستقر في عام 2017، وسيتعافى النمو الاقتصادي، ويصبح إيجابيا مرة أخرى، ويستند هذا التفاؤل على افتراضين أساسيين هو التوصل إلى اتفاق سياسي واستئناف الإنتاج النفطي ليقترب إلى مستويات ما قبل عام 2011. 

ولسوء الحظ، من الواضح أنه حتى منتصف 2017، لا يبدو أن أيا من هذه الافتراضات واقعيا بشكل خاص، وإذا ظل الوضع السياسي غير مستقر كما في العام الماضي، لن يرتفع الإنتاج النفطي وصادراته بشكل كبير، وسيكون الأداء  الاقتصادي للسنة الحالية مشابها للسنوات السابقة، وسيظل النمو الاقتصادي سلبيا، وسيتراجع دخل الفرد بشكل أكبر، وسترتفع البطالة وسيكون التضخم أعلى من معدل 27 بالمائة، الذي تم الإعلان عنه في سنة 2016، وستنخفض الاحتياطات من العملة الصعبة إلى ما دون 50 مليار دولار مقابل 110 مليار دولار في نهاية عام 2010. 

ويمثل النفط شريان الحياة للاقتصاد الليبي وأي شيء يؤثر على الإنتاج النفطي والصادرات له تأثير كبير على الاقتصاد الكلي، ويمثل النفط أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي و90 بالمائة من الصادرات، وحوالي 98 بالمائة من الإيرادات الحكومية، وفي الفترة 2000-2010، أنتجت ليبيا حوالي 1،6 مليون برميل نفط يوميا، وبلغت صادراتها 1،5 مليون برميل يوميا، ومنذ ذلك الحين، كان الإنتاج النفطي متقلبا جدا، ويعزى هذا التقلب في المقام الأول إلى الأحداث السياسية في البلاد، وقد بدأ الإنتاج النفطي عام 2017، بالارتفاع على افتراض عدم وجود صدمة سياسية كبيرة، ومن المتوقع أن تصل إلى مليون برميل يوميا بحلول نهاية العام، وحتى لو حصل ذلك، لن يزيد الإنتاج النفطي لهذا العام عن 700 ألف أو 800 ألف برميل يوميا. 

إصلاحات

وأشار الكاتبان إلى أن الأنشطة غير النفطية في الاقتصاد الليبي ضئيلة جدا، وتتلقى المؤسسة الوطنية للنفط العائدات النفطية وتحولها إلى الحكومة عن طريق مصرف ليبيا المركزي، ما يعني أن الحكومة هي المحرك الاقتصادي الرئيسي للبلاد، ولم يتمكن القطاع الخاص من التطور، بسبب نظام ترتيبي بيروقراطي، وبقيت الشركات الخاصة صغيرة وتنشط غالبا في قطاع الخدمات، خاصة تجارة التجزئة وتجارة الجمعة، وقد ذكر تقرير للبنك الدولي حول ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2017 أن ليبيا تحتل المرتبة 188 من أصل 190 بلدا بشأن سهولة ممارسة الأعمال التجارية. 

كما أدت أنظمة العمل والتراتيب الشغلية التي تواجهها الشركات الخاصة في ليبيا إلى تطور كبير للاقتصاد غير الرسمي، ثلث حجم الاقتصاد الرسمي عام 2010، وفي الوقت الذي يصعب فيه تقدير حجم هذا الاقتصاد غير الرسمي، هناك مؤشرات على نموه الكبير في السنوات الأخيرة مع استمرار انخفاض فرص العمل في الاقتصاد الرسمي، وفي المدن الكبرى، مثل طرابلس و بنغازي و طبرق ، هناك بعض النمو للمطاعم والشركات التقنية وغيرها من مقدمي الخدمات. 

ومن الواضح أن لإحياء الاقتصاد، يجب أن تكون الأولوية الأكثر إلحاحا لزيادة الإنتاج النفطي والصادرات، ويمكن للبلاد أن تنتقل في ما بعد لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد الكلي، كما يجب وضع إصلاحات هيكلية مهمة أخرى لتنويع الاقتصاد، مثل بناء نظام مالي حديث، وتحسين مناخ الأعمال، وإعادة بناء وتطوير البنية التحتية المتضررة للبلاد، وهي ذات أهمية حاسمة بالنسبة للتنمية الاقتصادية في ليبيا على المدى الطويل، وهذا بدوره لن يحدث إلا عندما يرتفع الإنتاج النفطي وصادراته، وتكون الحكومة قادرة على إنفاق الإيرادات  التي تحصل عليها من النفط. 

ولكن كل هذا يعتمد كليا على التسوية السياسية، حسب الكاتبين، وللوصول إلى هذه التسوية، يجب على جميع الأطراف الليبية أن تدرك أن بقاءها ورفاهها يعتمدان على إحياء الاقتصاد، وهذا يعتمد على قدرة صناعة النفط لتحقيق أقصى قدر ممكن من الإنتاج، وفي نهاية المطاف، يجب على الفصائل الليبية أن تتفق أن مستقبل ليبيا سيكون قاتما دون تدفق النفط. 

 

*الصورة: مواطنين ينتظرون أمام أحد مصارف العاصمة ( رويترز- اسماعيل زيتوني)