المقالات

مرة أخرى: مثلث تشاد- السودان- ليبيا ؟

July 03, 2017

ترجمة المرصد الليبي للإعلام 

بين الكاتبان جيروم توبيانا و كلاوديو كراميشي، في تقرير شهر يونيو 2017 من قبل «سمال أرمس سورفاي» -مشروع بحث مستقل، يتبع المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف-، أن على مدار السنوات الخمسين الماضية، شهدت الصحراء التشادية فترات طويلة من الحروب، بما في ذلك الانتفاضات المتكررة، وكانت منطقة أقصى شمال تشاد أو تيبستي في كثير من الأحيان تحت سيطرة حركات المعارضة المسلحة، ولعب سكانها، التبو، -الذين يعيشون أيضا في جنوب ليبيا وشمال شرق النيجر-، دورا في انتفاضات هذه البلدان الثلاث

 وتمثلت قوتهم (حركات المعارضة المسلحة) في السيطرة على منطقة تيبستي والطرق الصحراوية، وارتبطت الانتفاضة الأخيرة، -التي بدأت في أواخر 1997-، بحركة الديمقراطية والعدالة في تشاد، وانتهت عام 2011، في هذه الفترة، حلت أشكال الحكم المحلي ة مكان الدولة الغائبة أو الفوضوية، وحاولت المحافظة على سيطرتها على هذه المناطق، وتلاعبت بالمؤسسات التقليدية، ونتيجة لذلك، خرجت هذه المؤسسات من الحرب مجزأة وضعيفة، وأثرت على زيادة النزوح المستمر من شمال تشاد إلى ليبيا، وساهمت في قطع معقل المعارضة التاريخي، تيبستي، عن بقية التشاد. 

ومنذ عام 2011، برز خطر أكبر على الحدود الجنوبية مع تشاد، عندما اندلعت انتفاضة "الربيع العربي" وانهار نظام معمر القذافي في ليبيا، وعمت الفوضى منذ اندفاع الثورة الليبية، خاصة في جنوب ليبيا، فكما هو الحال في ثمانينيات القرن الماضي، وخلال الأزمة بين تشاد ودارفور عامي 2003-2010، أصبح مثلث تشاد-السودان-ليبيا مرة أخرى مركزا إقليميا للاضطرابات، وأحد أهم تبعاته، ظهور سوق إقليمية للمقاتلين عبر الحدود. 

اضطرابات

وأبرز التقرير أن منذ استقلال تشاد عام 1960، شهدت البلاد ثورات متتالية، ومنطقة تيبستي أكثر من 20 سنة من الحكم من قبل الدولة التشادية، وخضعت لأكثر من 30 سنة لحكم فصائل المعارضة المسلحة، وقد ساد الاستقرار النسبي والأمن، عندما سلم مقاتلو حركة "الديمقراطية والعدالة" أسلحتهم سنة 2011، رغم ظهور هجمات معزولة في البلاد، وقد وقعت كرد فعل للمواجهات بين عمال مناجم الذهب في المنطقة والسكان المحليين في فترة 2014-2015، ولم تنجح السلطات في السيطرة عليها. 

ومنذ سنة 2012، تسبب اكتشاف الذهب في تدفق كبير للراغبين في التنقيب في المنطقة، ما أثار الاضطرابات بينهم والتبو ، ولأن هؤلاء ينتمون إلى نفس المجموعة العرقية للرئيس التشادي، فقد زادت هذه التوترات العداوة ضد السلطات التشادية، وتحولت قوات التبو -التي تم تشكيلها لحماية المنطقة ضد تدفق عمال مناجم الذهب- إلى قوات حكم ذاتي رافضة للحكم المركزي. 

ورغم أن الحكومة التشادية لم يكن لها سمعة جيدة، إلا أن غالبية سكان تيبستي كان لهم رغبة محدودة في انتفاضة جديدة، وحتى مع وجود جماعات المعارضة المسلحة التشادية جنوب ليبيا المجاورة، لم تكن الانتفاضة ذات جاذبية. 

ورغم بعض المحاولات منذ سنة 2011، يبدو أن الدولة التشادية كانت غير قادرة على فرض سيطرتها بالكامل على تيبستي، وذلك بسبب عزلة المنطقة، ورفض السكان المحليين لما يعتبرونه سلطة خارجية، وبسبب عدم استقرار تلك السلطة والتجربة السلبية لبرنامج التنمية، الذي أطلق سنة 2012 وانهار عام 2014. 

ومن الناحية التاريخية، كان قادة القبائل هم المصدر الرئيسي للاستقرار والأمن في تيبستي، لكن حركة النزوح والانقسامات أضعفت من قوتهم، وتفاقم الوضع عبر تواتر القادة المعينين من قبل الحكومة بعد إنهاء الانتفاضة، وهذا الضعف في السلطة التقليدية يفسر التطورات داخل قبيلة التبو في تشاد وليبيا، مقابل سلطة قائد القبيلة. 

تهميش

وعلى جانبي الحدود التشادية الليبية (وكذلك النيجر)، للتبو هويات متعددة، وقد تعرضوا للتهميش تحت حكم القذافي، الذي استغل مطالبهم للحصول على الجنسية الليبية، حيث لعبوا دورا هاما في انتفاضة 2011، ومنذ ذلك الوقت، ينظر لمطالبهم تلك على أنها مصدر خطر من قبل القوى في شمال ليبيا والمجموعات العربية والطوارق جنوب ليبيا. بحسب الكاتبان.

وبين الكاتبان أن قبائل التبو تبدو موحدة في جنوب ليبيا، عندما تواجه عدوا مشتركا، لكنها تعمل تحت قيادات منفصلة، وتعاني من الانقسامات الداخلية، ومعظمها جماعات مسلحة مستقلة. ويبدو أن كلا من تشاد والسودان لهما مقاربتان مختلفتان تجاه ليبيا، فالسودان يسعى إلى إرساء نظام سلمي في ليبيا، فيما يعتقد التشاد أن من الحيوي منع حركات المعارضة المسلحة أو الجماعات الجهادية من استخدام الفوضى في ليبيا من أجل التسلل إلى المناطق الجنوبية، في الوقت نفسه، تمكنت الجماعات المسلحة من كلا البلدين من إرساء موطئ قدم لها في ليبيا، على أمل الحصول على الدعم من القوى الليبية المعادية لحكوماتهما. 

وقد عبرت جماعات المعارضة المسلحة من تشاد ودارفور و ميليشيات «جانجويد» السودانية بانتظام الحدود في المنطقة، ومنذ 2011، تم رصدها على وجه الخصوص في ليبيا، وسعى العديد منها العثور على الذهب عبر الصحراء، وعرضت بعضها خدماتها كمرتزقة، خاصة في ليبيا، فيما نشط غيرها في عمليات التهريب والإجرام. 

ويعتبر الفشل المتكرر لاتفاقات السلام وعمليات إعادة الإدماج وغياب الفرص الاقتصادية و البدائل السياسية في تشاد، وعدم الاستقرار في ليبيا، واستمرار العنف في دارفور من بين العديد من العوامل التي أدت إلى إعطاء طابع دولي لهذه الجماعات، وتنامي استقلاليتها في المنطقة. 

وبين عامي 2011 و2013، تنقلت الأسلحة غير المشروعة المسروقة من الترسانات الليبية عبر شمال التشاد، ويبدو أن هذا التدفق خبت جذوته، لكن تدفق الأسلحة الفردية ما يزال قائما في المنطقة، ويبقى الطلب عاليا جدا، وازداد نسبيا بعد السباق من أجل الذهب في تيبستي. 

واعتبر الكاتبان أن من الضروري إيلاء المزيد من الاهتمام للمنطقة التي يتواجد بها التبو والمناطق الحدودية التشادية الليبية، فهي مناطق مهمشة جغرافيا، رغم أنها مهمة جدا بالنسبة للأمن الإقليمي، ومن المهم عدم التركيز فقط على البعد العسكري، بل يجب أن يكون التدخل على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، بما يتناسب واحتياجات المجتمعات المحلية، فضلا عن إدماجهم في الدولة، ودون ذلك، هناك خطر واضح من أن تصبح هذه المجتمعات مهمشة أكثر في بلدانها، ما يجعلها منخرطة في أنشطة المرتزقة أو في التجارة غير المشروعة عبر الحدود. 

 

* الصورة: أحد مسلحي مليشيات الجانجويد السودانية (أرشيفية: انترنت)

* المقالات المترجمة المنشورة على موقع المنظمة الليبية للسياسات لا تمثل بالضرورة وجهة نظر المنظمة.