المقالات

التحديات الاقتصادية والمالية للاقتصاد الليبي خلال العام 2016 \ د. محمد بوسنينة

January 27, 2016

لم يعد الاقتصاد الليبي يحتمل المزيد من الضغوطات والتحديات المرتبطة بالانقسام السياسى وانقسام المؤسسات السيادية وسلوك وأنماط الإنفاق العام التى لازالت قائمة والأوضاع الأمنية المتردية . وبكل اسف فان مؤشرات عام 2016 الاقتصادية والمالية، يتوقع ان تكون أسوأ بكثير مما شهده الاقتصاد الليبيى خلال عام 2015.

 أسعار النفط العالمية تدهورت الى ما دون الثلاتين دولار للبرميل. المخزون النفطى الجاهز للتصدير يحترق والبنية التحتية لصناعة النفط فى وضع أسوأ مما كانت عليه عام 2015 . إعادة تأهيل قطاع النفط ليعمل وفقا للمعتاد سيكلف اكثر مما يتوقع تحصيله من إيرادات نفطية, مصروفات النقد الاجنبى خلال عام 2015، بالرغم من انها كانت فى أضيق الحدود ،فقد كانت على حساب الاحتياطيات التى تراجعت الى مستويات غير قابلة للاستدامة . العجز التراكمى فى الميزانية العامة للدولة وصل الى 40 مليار دينار بنهاية عام 2015 دون وجود آلية لتمويله. الإنفاق بالنقد الاجنبى خلال عام 2015 كان مقيداً  إلى أبعد الحدود حيث تم تخفيض العجز فيه بنسبة 50 بالمائة بالمقارنة بعام 2014 ، فهل يتحمل الاقتصاد الليبيى المزيد من الضغوط و القيود خلال العام 2016 ؟ 

حكومة الوفاق الوطنى الوليدة أمامها تحديات جمة تتطلب برنامج للإنفاق يتوقع أن تعجز عن تغطيته الموارد السيادية المتاحة القائمة أو التى قد تتحقق خلال عام 2016 ، حيت من المتوقع ان يكون حجم الإنفاق العام فى حدود   40 مليار دينار فى أفضل الاحتمالات بنهاية العام  2016 ، وفى ظل إيرادات نفطية لن تتجاوز 6 مليار دولار فى أحسن الظروف فان العجز المتوقع فى الميزانية العامة للدولة سيكون فى حدود 30 مليار دينار خلال العام  2016 . وفى حال تنفيذ برنامج إنفاق عام بمبلغ 40 مليار دينار فان حجم الطلب المقابل بالنقد الاجنبى لن يقل عن 23 مليار دولار خلال عام 2016 ( معظم الطلب على النقد الاجنبى فى الاقتصاد الليبيى  مشتق من الإنفاق العام ومرتبط به ) فهل تستطيع حكومة الوفاق الوطنى وضع ميزانية أزمة او برنامج للإنفاق العام حجمه اقل من 40 مليار دينار بحيت يكون حجم الطلب الكلى على النقد الاجنبى المترتب عليه اقل من 23 مليار دولار ؟

أو من زاوية اخرى ،هل تستطيع الحكومة توفير الموارد اللازمة لتمويل نفقات  بـ 40 مليار دولار وتدبير النقد الاجنبى اللازم لمواجهة الطلب على النقد الأجنبي المترتب عليها ؟ هذا هو التحدى الحقيقى الذى ستواجهه الحكومة  لإنقاذ الاقتصاد الوطنى من الانهيار.

أمام هذه المعطيات فان الوضع الاقتصادى فى ليبيا خلال العام 2016 سيكون حرجا  واستثنائيا  بكل المقاييس . ففى ظل استمرار عجز الميزانية العامة للدولة واستمرار عجز ميزان المدفوعات فإن قيمة الدينار الليبي  ستتعرض للمزيد من الضغوط ، والمحافظة على قيمته واستقرارها ستشكل تحد حقيقى للسلطة النقدية فى ظل الأوضاع القائمة والمتوقعة  .

وستشهد مستويات  الأسعار ، نتيجة للضغوط التى سيتعرض لها الاقتصاد الوطنى ، وحجم السيولة المتداولة فى السوق ، معدلات ارتفاع غير مسبوقة ، مما سيؤثر سلبا على مستوى المعيشة لذوى الدخل المحدود بشكل خاص وعامة السكان بصفة عامة . وستكون للأوضاع الاقتصادية الصعبة تداعيات اجتماعية سلبية . كما أن وصول النشاط الاقتصادى الى قاع الركود سيجعل من الصعوبة استعادة عافيته فى فترة قصيرة من الزمن ، حيت قد تمتد فترة الركود الى أكتر من سنة فى أحسن الأحوال ، بالنظر الى هشاشة الاقتصاد الليبيى واعتماده المفرط على إيرادات النفط و ما آلت اليه أسعار النفط والمستجدات الاخيرة فى  قطاع النفط فى ليبيا .

وقد كان المصرف المركزى اللاعب الرئيس الذى يدير الأزمة خلال عام 2015 ،فقد مول الأبواب الرئيسية للإنفاق العام وحافظ على الحد الأدنى من الاحتياطيات اللازمة لاستقرار سعر الصرف الرسمى للدينار الليبيى ، اما خلال العام 2016 فلن يستطيع المصرف المركزى منفردا إدارة الأزمة وتحمل أثارها ، رغم ان العبء الأكبر سيكون على كاهله . هذا يعنى ضرورة وضع حزمة من السياسات الاقتصادية ( النقدية والمالية والتجارية ) غير التقليدية ،  وسياسات للاستقرار المالى ، بالتنسيق بين جميع الأطراف المعنية ، اى ان يتم وضع هذه السياسات والالتزام بتطبيقها من قبل كل السلطات والمؤسسات  المعنية ( المصرف المركزى ، وزارة المالية ، وزارة الاقتصاد ، وزارة التخطيط ) بالاضافة الى الصناديق السيادية والمؤسسة الوطنية للنفط .

 

وهذا يتطلب تكوين لجنة أزمة رفيعة المستوى تشترك فى عضويتها هذه الأطراف مجتمعة ، يتخد فيها المصرف المركزى زمام المبادرة ، وأن تلتزم الحكومة بتنفيد ما تقره هذه اللجنة . هذا الإجراء سيفضى إلى توحيد الجهود فى مواجهة الأزمة ويتطلب وضع كافة الموارد التمويلية المتاحة تحت يد هذه اللجنة التى عليها استخدامها وفقا لأوليات تتناسب مع مقتضيات ادارة الأزمة واستحقاقاتها .

ويوصى فى مثل هذه الظروف عدم اللجوء الى استغلال الموارد المادية  المتاحة لدى بعض المؤسسات السيادية التى تقع تحت سيطرة بعض القطاعات ، من قبل هذه القطاعات بشكل منفرد ، اوخارج إطار ترتيبات  إدارة الأزمة ، لان مثل هذا الإجراء سيؤدى الى إفلاس هذه المؤسسات الواحدة تلوا الاخرى و سيزيد من تعقيد الأمور . كما انه فى مثل هذه الظروف وفى ظل محدودية الموارد المتاحة لذى الحكومة لا مناص من اللجوء الى الاقتراض الداخلى باستخدام سندات واذونات الخزانة لتمويل عجز الميزانية وفقا لسياسة واضحة المعالم والأهداف ، يأتى فى مقدمتها مكافحة الفساد واستهداف مناطق الظل  والفئات السكانية المحرومة بالإنفاق العام .

 كما ينبغى الاستفادة مما تتيحه فرص استخدام الصكوك الاسلامية لتمويل بعض مشروعات التنمية و إقحام القطاع الخاص الوطنى فى تمويل وتنفيذ بعض من هذه المشروعات . ومن المهم ان يعى ويتفهم الليبيون وفى مقدمتهم الساسة وصناع القرار حقيقة التحديات التى تواجه الاقتصاد الليبيى والظروف الموضوعية التى يمر بها ، بحيت يتوقف الصراع على السلطة ، حيت يعتبر ادراك المشكلة والاعتراف بوجودها والاستعداد لمواجهتها جزء من الحل المنشود . ومن المهم أيضاً ان تحظى السياسات الواجب تطبيقها بدعم وتأييد  المواطنين رغم ما قد تتطلبه من تضحيات ، وما قد ترتبه من تبعات . وهذا يشكل تحد اخر امام الحكومة .

 

* تنشر المنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات هذا المقال نقلاً عن  الصفحة الشخصية ( فيسبوك ) للدكتور محمد أبو سنينة أستاذ الإقتصاد والمستشار لدى مصرف ليبيا المركزي بعد الحصول على موافقته على إعادة نشره.