المقالات

العدالة الانتقالية والطريق إلى المصالحة الوطنية

May 03, 2016

المنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات

إن الحديث عن العدالة الانتقالية وتعريفها وتاريخها وتجارب الدول في تطبيقها لا يحتاج إلى البداية من نقطة الصفر فهناك تجارب إنسانية متراكمة من أبحاث ودراسات وتطبيقات في هذا الشأن وهي التي ننطلق منها في التقديم للعدالة الانتقالية كونها الطريق الذي سيؤدي حتما إلى المصالحة الوطنية المبنية على أسس سليمة.

إن تاريخاً مليئا بالأنتهاكات الجسيمة والمتراكمة لحقوق الأنسان في مجتمع ما وإذا لم تتم معالجتها سيؤدي حتما إلى إنقسامات اجتماعية وسياسية حادة وسيؤدي إلى غياب الثقة بين الأفراد والجماعات وأيضاً في مؤسسات الدولة,و مدى قدرتها على تحقيق الأمن والإستقرار, ولعل أهم وأخطر مايواجه أى مجتمع بعد الأنتقال من مرحلة إلى أخرى كثورة أو حرب أو حكم متسلط هو كيف يتم التعامل مع الماضي بإنتهاكاته الجسيمة, هل يكون تعاملاً قانونيا بتقديم الجناة إلى المحاكم الجنائية وقبول الأحكام أيا كانت؟  أم يكون تعاملاً ثوريا بإستخدام العدل العقابي لإستيفاء الحق؟

لذلك كان لزاما على البلدان التي مرت بفترات زمنية أنتهكت فيها حقوق الأنسان بشكل صارخ كان لزاماً عليها أن تفكر في كيفية خروج آمن لمجتمعاتها يضمن عدم دخول المجتمع في دوامة لانهائية من العنف والعنف المتبادل ويمنع نمو حالة الرغبة في الانتقام ويفتح الطريق لتحقيق المصالحة الوطنية.

فالأنتهاكات التي حدثت في فترة زمنية محددة لاتؤثر على الضحايا المباشرين فقط بل على المجتمع بأجمعه وعدم معالجة هذه الانتهاكات سيؤدي إلى إنقسامات أجتماعية كما أسلفنا مما قد يؤدي إلى حالة مضاعفة من العنف لأستيفاء الحقوق ورد الأعتبار, بل أن طي صفحات الماضي من الأنتهاكات دون معالجة قد يؤدي إلى تكرار هذه الانتهاكات من جديد فمن لا يجد من يردعه عن أفعاله السابقة لن يتردد في تكرارها إذا أتته الفرصة مرة ثانية.

إن إسقاط نظام أو تغييره أو إبعاد رموزه عن السلطة لن يكون وحده كافياً أو كفيلا بتحقيق العدالة والمصالحة بل أنه لن يساعد البلد في العودة إلى حالتها الطبيعية أوما يسمو إليه الأفراد في بناء مجتمع جديد بعد ثورة أو حرب أو نزاع.

من هنا يبدأ التفكير الفعلي في موضوع العدالة الإنتقالية ذو التجارب الإنسانية الحديثة والناجحة في معظمها, فالحفاظ على قيم العدالة والتضامن الاجتماعي وتعويض الضحايا وكشف الحقيقة الكاملة والحفاظ   على الذاكرة الجمعية  هي من أهم الأهداف التي تسعى لها فكرة العدالة الأنتقالية لتحقيق المصالحة الوطنية لتكون ركيزة في بناء دولة حديثة عادلة ,فالمصالحة الوطنية لكي تؤتي اُكلها تقتضي تعرف الضحايا على الجناة ومحاسبتهم وتعويض المتضررين.

وتعرف العدالة الانتقالية بأنها مجموعة الأساليب والأليات التي يستخدمها مجتمع ما لتحقيق العدالة في فترة زمنية محددة تنتقل فيها الجماعات من فترة الصراعات إلى الاستقرار وتنشأ هذه الفترة غالباً بعد اندلاع ثورة  أو انتهاء حرب أو سقوط حكم مستبد.

ويعتبر مفهوم العدالة الأنتقالية من المفاهيم التي لا تزال غامضة بالنسبة للكثيرين حيث كثيراً مايدور التساؤل حول مفهوم (العدالة الأنتقالية).

هل هناك عدالة غير العدالة التقليدية التي تعرفها المجتمعات؟

هنا تكون الأجابة بأن العدالة الانتقالية تختلف عن العدالة التقليدية كونها تعنى بفترة زمنية محددة كحكم متسلط أو ثورة أو نزاع مسلح فكل هذه المراحل تواكبها في العادة  بعض الاجراءات الاصلاحية وسعي لجبر أضرار الضحايا.

هنا يتبادر إلى الذهن سؤال أخر ... هل العدالة الأنتقالية نوع خاص من العدالة؟

لاهي ليست نوعاً خاصاً من العدالة وهي أيضا لاتشبه  العدالة التقليدية (إجرائياً) بل هي تكييف للأخيرة على النحو الذي يلائم مجتمعات تخوض تجارب أستثنائية في تاريخها بعد تفشي إنتهاكات حقوق الأنسان ورصدها, وتشترك معها في إحقاق الحق وإعادته إلى أصحابه وفي كشف الحقيقة وفي جبر الضرر وتعويض الضحايا.

ولأن للعدالة مفهوم واحد هو إحقاق الحق بإنصاف المظلوم ممن ظلمه لهذا يجب ألا تترك لفرد أو جماعة بل يجب أن تستند إلى منهجية عمل واضحة يبعد عنها شبح الأنتقام والاقصاء, فلا يجب أن تكون العدالة في مراحل مابعد الصراع ألا عدالة انتقالية لا انتقامية بحيث تغرق في التشفي ولا انتقائية بحيث تستفيد منها فئات معينة دون غيرها.

وبإسقاط ماتقدم شرحه على الوضع الليبي و لأن ليبيا مجتمع أرهقته الأنتهاكات الجسيمة لحقوق الأنسان ومزقت نسيجة الاجتماعي الى جانب ما يعانية المجتمع اليوم من حالة أنقسام سياسي حاد أدى حتما إلى عدم الاستقرار ناهيك عن الفساد المتجذر في كل مؤسسات الدولة كل ذلك سيكون بلا أدنى شك عائقا أمام تطبيق العدالة الانتقالية بصورة ميسرة وسلسة فالعدالة الانتقالية والاعتراف بالجرائم و الانتهاكات وتعويض الضحايا لم يعد مقتصرا على تركة النظام السابق فقط بعد حالة الانقسام وعدم الاستقرار و الحروب التي شهدتها البلاد بعد الثورة.

بل لعل أحد أهم عوامل عدم الاستقرار الذي تعيشة ليبيا اليوم هو بسبب تجاهل الماضي الملئ بالانتهاكات و التركة الضخمة من المظالم التي تسببت في جراح نفسية عميقة. فالمجتمع الليبي بعد الثورة وجد نفسة أمام تبعات النظام السابق دون أن يتمكن من مواجهتها رغم صدور قوانين تنظم المرحلة الانتقالية كقانون 17/2012 بشأن أرساء قواعد العدالة الانتقالية الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي و الذي تم تعديله بموجب القانون رقم 41/2012 من قبل المؤتمر الوطني العام ثم القانون 29/2013 الصادر من المؤتمر الوطني العام.

إلا أن هذه القوانين قد شابها قصور من ناحية ومن ناحية أخرى لم يتم تفعيلها، ولعل السبب في ذلك يرجع الى حالة عدم الاستقرار السياسي و الامني التي تعيشها البلاد فالقوانين لوحدها لا يمكن أن تؤدي الى تطبيق العدالة الانتقالية، بل لابد من وجود إرادة حقيقية سياسية وشعبية، سياسية بإصدار القوانين وتعزيز الأستقرار الأمني و إجراء إصلاحات جذرية لمؤسسات الدولة ، وشعبية تتمثل في المطالبة الشعبية بضرورة معالجة إنتهاكات وجروح ومأسي الماضي البغيض وقابلية المجتمع لمفهوم التصالح وطي صفحة الماضي بكل مافيها من أضرار نفسية ستؤثر على الاستقرار و البناء.



كلمات دلالية   :       ليبيا     العدالة الإنتقالية     المصالحة الوطنية