المقالات

صحفية ألمانية: حكومة الوفاق وتحديات إدارة الحكم

June 08, 2016

ترجمة المرصد الليبي للإعلام - قنطرة 

ألقت الصحفية الألمانية فاليري شتوكر في تعليق نشر بتاريخ 03 مايو 2016، الضوء على التطورات السياسية في ليبيا، مشيرة إلى أن حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز ال سراج تُعتبر جزءا من اتفاقية سلام، تم التوصل إليها برعاية الأمم المتحدة، تنص على وضع دستور جديد وإجراء انتخابات برلمانية، غير أنه ورغم وصول حكومة الوحدة الوطنية بالفعل إلى العاصمة طرابلس ، بعد 4 أشهر من توقيع اتفاقية السلام بين الأطراف المتنازعة، إلا أن توليها زمام الحكم ما يزال أمرا غير مؤكد.

وأوضحت في تعليقها الصادر على الموقع الألماني "قنطرة للحوار مع العالم الإسلامي"، أن "الشعب يريد حكومة وحدة وطنية!"، حيث كان هكذا يهتف المتظاهرون بشكل جماعي في ساحة الشهداء بالعاصمة الليبية طرابلس ، بعد ظهر يوم الجمعة من شهر أبريل 2016، هذا ولم يكن عدد هؤلاء المتظاهرين كبيرًا، بيد أنَّ وجودهم يُعدّ أمرًا مهمًا، لأنَّ الصراع على السلطة في العاصمة الليبية يدور بشكل صامت.

ونقلت عن أحد المتظاهرين قوله : "نحن ندعم (رئيس الوزراء) فايز ال سراج ، ليس لأنَّنا ننتظر الكثير منه، ولكن حقيقة كونه سياسيًا وصل حديثًا إلى رئاسة حكومة الوحدة الوطنية وكونه مدعومًا من الغرب، فهذا سبب كافٍ من أجل تأييده".

وذكرت الصحفية الألمانية أن منذ اندلاع الحرب الأهلية في ليبيا قبل عامين، اضطر معظم الليبيين إلى تقليص توقعاتهم السياسية بشكل كبير، ولم تعد الخطابات الحماسية حول الثورة والديمقراطية الخاصة بالسياسيين المنقسمين، تفيد في أي شيء تقريبًا، لأنَّ المواطن العادي لديه اهتمامات أكثر جوهريةً.

هروب

 

وأكدت الكاتبة أن بالإضافة إلى الوضع الأمني السيئ، تسود ليبيا أزمة سيولة حادة مع انخفاض قيمة العملة المحلية، حتى بات الكثيرون يريدون أن يُجَرِّبوا حظَّهم في الخارج، إذا كانوا ما يزالون قادرين على فعل ذلك، وفيما كان بوسع المواطن الليبي أن يسافر في السابق دون أية صعوبات نسبيًا، أصبحت الحرب الأهلية الليبية وأزمة اللاجئين في أوروبا، تُعَقِّدان الآن الحصول على تأشيرة شنغن للسفر.

حتى أنَّ بعض الدول في المنطقة - مثل مصر وتركيا - قد فرضت قيودًا صارمة على دخول الليبيين إلى أراضيها، وكثيرا ما يتم إغلاق الحدود البرية إلى تونس، وعلى أية حال الطريق الوحيدة المؤدِّية بشكل مباشر إلى هناك تم إغلاقها بموقع قريب من طرابلس ، بسبب نزاع محلي، ولذلك بات يتذكَّر المرء في ليبيا خلال هذه الأيَّام عزلة البلاد في فترة التسعينيات من القرن الماضي، عندما تم فرض عقوبات دولية ضدَّ نظام القذافي، ولم يكن لدى الأهالي تقريبًا أي اتِّصال بالعالم الخارجي.

أمَّا الرحلات الجوية القليلة من طرابلس ، فهي تُقلع من مطار معيتيقة العسكري، -الذي حلَّ محلَّ مطار العاصمة الدولي المدمَّر منذ عام 2014 بسبب المعارك-، وبحسب مسار الرحلة يتعيَّن على الطيَّارين أن يتوقَّفوا شرق ليبيا، من أجل ختم جوازات سفر المسافرين بختم الدخول المحلي، لأنَّ الحكومة المؤقتة في مدينة البيضاء شرق ليبيا تعتبر نفسها السلطة الشرعية الوحيدة في البلاد.

حصار

من جهته، دعا البرلمان المستقر في الشرق ( طبرق ) - أي مجلس النوَّاب المُنتخب عام 2014، - من المقرَّر بحسب اتِّفاقية السلام الموقَّعة في شهر ديسمبر 2015 أن يستمر في ممارسة مهامه - إلى عقد عشرات الجلسات للتصويت على حكومة الوفاق الوطني المستقبلية، غير أنَّ جميع المحاولات فشلت، وانتهت إلى فوضى حتى الآن.

وأوضحت أنه سواء من خلال عمليات إغلاق قاعة الاجتماعات، أو من خلال اختفاء سجلات الحضور، أو الهجومات اللفظية والجسدية على البرلمانيين، أو حتى من خلال غياب رئيس المجلس ، يحاول معارضو حكومة الوفاق الوطني وبجميع الوسائل منع التصويت على هذه الحكومة، وذلك لأنَّهم يخشون من فقدانهم لها، ما يدَّعيه على الأقل أنصار حكومة الوحدة، الذين أصدروا بيانًا يفيد بأنَّ صوتهم يجب أن يُعترف به باعتباره ساري المفعول رسميًا، وهم يزعمون أنَّهم يشكِّلون الأغلبية.

وقالت شتوكر: "صحيح أنَّ مثل هذا الاعتراف يتعارض واتِّفاقية السلام، -التي يتعيَّن بموجبها التصويت على الحكومة-، ولكن يبدو أنَّ  حتى الأمم المتَّحدة أصبحت مستعدة لغض النظر عن هذه النقطة التفصيلية القانونية، وفي هذا السياق قال الدبلوماسي الألماني مارتن كوبلر، وهو المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا: "على الرغم من أنَّه ليس قرارًا رسميًا، غير أنَّه جيِّدٌ بما فيه الكفاية، وهو دليل على أنَّ الحكومة يمكن أن تبدأ عملها".

وعلى بعد أكثر من ألف كيلومتر غرب طبرق ، أي في طرابلس العاصمة، يجب نزع الكثير من العقبات الأخرى، إذ أنَّ "ما يُعرف باسم المجلس الرئاسي - المكوَّن من تسعة أعضاء ويعتبر بمثابة جوهر اتِّفاقية السلام، المعيَّن كجزء من حكومة الوفاق الوطني - قد نقل مقره بشكل مؤقَّت إلى داخل ميناء القوَّات البحرية، ولا يكاد يجرؤ على الاقتراب خطوة من العاصمة، على خلفية أن: "الوضع في طرابلس ما يزال بعيدًا عن أن يكون جيدًا، لأن هذه المدينة تخضع لسيطرة الـمُسَلَّحين"، مثلما يعترف كوبلر أيضًا ، ويضيف أنَّ: "قوَّات الأمن النظامية تعتبر بدائية".

انجاز

هذا ويعتبر دخول المجلس إلى العاصمة بمثابة إنجاز، توضح الصحفية الألمانية، ففي صباح يوم 30 مارس 2016 تمكَّن رئيس الوزراء فايز ال سراج ورفاقه من الوصول عن طريق البحر على متن فرقاطة من تونس إلى طرابلس ، وكانت "حكومة الإنقاذ الوطني" المعارضة قد دعت قبل بضعة أيَّام من وصولهم، كافة قوَّات الأمن و"الثوار" إلى الاستعداد ضدَّ "حكومة الانتداب المفروضة من قبل الغرب"، وأغلقت المجال الجوي من أجل منعهم من دخول البلاد.

ولكن مع ذلك، تمكَّن مجلس الرئاسة من كسب أقوى المجموعات المسلحة في منطقة طرابلس إلى جانبه، كما نجح في خلع "حكومة الإنقاذ الوطني" - على الأقل مؤقتًا، لأنَّ رئيسها خليفة الغويل قد أعلن بعد تراجع قصير الأمد، أنَّه لا يريد الانسحاب، على حد تعبيره.

وأضافت أن زيارة القاعدة البحرية الخاضعة لحماية مشدَّدة، يظهر إلى أي مدى ما يزال وضع أعضاء المجلس الجديد متأزمًا، فـ"هناك أصوات معارضة، ولكن معظم الليبيين يريدون الوحدة"، مثلما أكَّد موسى الكوني، وهو أحد النوَّاب الخمسة، لرئيس الوزراء فايز ال سراج ، أثناء لقاء معه، وأضاف أنَّ: "التصويت في مجلس النوَّاب ليس سوى أمرا شكليا، فقد كان يجب على المجلس أن يعترض خلال عشرة أيَّام".

وبالتالي لا شيء يقف في طريق تولي الحكومة السلطة، بحسب تعبير موسى الكوني، وتعمل الحكومة بنشاط من أجل تولي الوزارات، وتحاول بالتعاون مع المصرف المركزي السيطرة على الأزمة المالية، ولكن هذه العملية مُرْهِقة والسلطات غير متَّفقة على الأوامر التي يجب تطبيقها الآن.

تحد

وبينت الكاتبة بأنه تتم حراسة منطقة الميناء من قبل "قوة الأمن المركزي" - وهي منظمة سلفية عيَّنت نفسها بنفسها، كانت تؤدِّي دورها الأصلي كشرطة، للآداب ولمكافحة المخدرات وقد أعلنت الحرب على تنظيم "الدولة"، المتنامي في ليبيا منذ بداية عام 2015.

وبخصوص ذلك يقول موسى الكوني: "نحن بحاجة إلى المساعدة من قبل جميع الجماعات المسلحة لمحاربة تنظيم "الدولة"، مضيفا أنَّ: "إصلاح الجيش ودمج المقاتلين سيحتاجان وقتًا طويلاً - وهذا الوقت غير متوفِّر لدينا الآن".

وأكدت الكاتبة أنه ما من شكِّ في أنَّ تنظيم "الدولة" يشكِّل خطرًا كبيرًا بالنسبة لليبيا، كما يشكِّل قبل كلِّ شيء تحديًا ل حكومة الوفاق الوطني، حيث تسيطر هذه ال ميليشيات الإرهابية في سرت وسط ليبيا على منطقة ساحلية تمتد لمائتين وخمسين كيلومترًا، فضلا عن وجود خلاياه في أجزاء أخرى من البلاد، ورغم سعي المجتمع الدولي لمساعدة حكومة الوفاق الوطني في معركتها ضدَّ تنظيم "الدولة"، إلا أن ذلك يتطلب من الحكومة أن تحافظ على السلطة، وتستعيد الوضع الأمني إلى حدّ ما​​ على الأقل هناك.

ونقلت الكاتبة عن القائد أبو بكر فرشوح، -وهو من أبناء مدينة مصراتة الساحلية المؤثِّرة، الواقعة على بعد مائتي كيلومتر شرق طرابلس - قوله :"نحن مع حلّ الصراع سياسيًا ومع الوحدة الوطنية، من أجل التعاون في محاربة أكبر أعدائنا، أي تنظيم "الدولة"، مبينة أن كتيبته ("كتيبة الحلبوص") تعرَّضت كثيرًا لهجمات خلال الأشهر الأخيرة من قبل تنظيم "الدولة"، وتعتبر هذه الكتيبة واحدة من عدة كتائب من مصراتة ، قد وعدها فايز ال سراج قبل عدة أشهر بالدعم، وهي تتولى حماية حكومته.

وأضاف فرشوح أن "الوضع في طرابلس هادئ، ولكن لا يمكن ضمان الأمن هناك مائة في المائة، لأنَّ كلَّ فصيل سياسي لديه أتباعه المسلحين".

انقسام

وأشارت الصحفية الألمانية إلى أن اتِّفاقية السلام، لم تتمكن حتى الآن من إنهاء الانقسامات السياسية في ليبيا، و"هنا تكمن نقطة الخلاف الرئيسية الخاصة بدور الجيش شرق ليبيا، حيث يقود قائده خليفة حفتر (المعين من قبل مجلس النواب) منذ عامين حربًا ضدَّ الجماعات المتطرِّفة، ويريد أنصاره منع تنفيذ اتِّفاقية السلام في شكلها الحالي، وذلك لأنَّهم يَرون في هذه الاتِّفاقية خضوعًا "للإسلاميين" في مصراتة ومناطق أخرى غرب ليبيا، وهم يتهمون هؤلاء الإسلاميين بأنَّهم متواطئون مع تنظيم "الدولة"، على حد تعبير شتوكر.

من ناحية ثانية، تضيف، "يرفض المتشدِّدون غرب ليبيا داخل ما يعرف باسم تحالف " فجر ليبيا " - أي الطرف المعارض في الحرب الأهلية - التنازل عن السلطة لحكومة الوحدة، التي يزعمون أنَّها ستقوم أوَّلاً بجلب القوَّات الغربية إلى البلاد".

كما لا يوجد أي ضمان لولاء الجماعات المسلحة، لأنهم ليسوا مجرَّد وكلاء لمختلف الفصائل السياسية، بل يعد بعضها طرفا فاعلا ومستقلا في الصراع الدائر على النفوذ والأموال العامة.

واعتبرت الكاتبة أن السيطرة على العاصمة تشكِّل قبل كلِّ شيء موضوع خلاف؛ فهي كانت عام 2014 سبب الحرب الأهلية، و"طالما يعمل المرء على إرضاء "ال ميليشيات "، تشاركه هذه الأخيرة، لكن يمكن أن يتغيَّر ذلك هذا بسرعة"، مثلما يقول حسن، وهو مهندس من طرابلس .

وخلصت الصحفية الألمانية للقول لا يهم مع مَنْ نتحدَّث أو مَنْ نسأل في شوارع العاصمة الليبية - لأنَّ الليبيين يريدون أن تتحمَّل الشرطة والجيش مسؤولياتها مرة أخرى، ولكن ستحتاج حكومة الوفاق الوطني المعتمدة على حسن نوايا الفصائل التابعة لها الكثير من رأس المال السياسي، من أجل البدء بصورة جادة في نزع سلاح المقاتلين ودمجهم.



كلمات دلالية   :       ليبيا     حكومة الوفاق الوطني     طرابلس     مجلس النواب