المقالات

ليبيا.. القوى السياسية والعسكرية ومستقبل الصراع

August 08, 2016

المرصد الليبي للإعلام 

أشار الكاتب الصحفي محمود عبد الواحد في دراسة نشرت الخميس 04 أغسطس 2016 على موقع "الجزيرة للدراسات" إلى سعي القوى السياسية والعسكرية في ليبيا إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية في ظل تقلبات الساحة الداخلية، التي أفضت إلى اتساع رقعة الصراعات المسلحة بما فيها الحرب على تنظيم الدولة، بالإضافة إلى بروز الدور الأجنبي بشكل كبير وتدخله في توجيه مسار الصراع.

وأوضح في مقدمة الدراسة أن الساحة الليبية تعجّ بتقلبات سياسية أفضت إلى اتساع رقعة الصراعات المسلحة بما فيها الحرب على تنظيم الدولة، فما كادت ثورة 17 فبراير تؤتي ثمارها بعد الإطاحة بنظام معمر القذافي حتى تعثرت في منعطفات الخلافات المناطقية والحرب الأهلية؛ فأصبحت ليبيا البلد الواحد بثلاث حكومات أفرزت صراعات في مؤسسات الدولة.

وفي خضم هذه الصراعات تعددت الأذرع العسكرية بتعدد الكيانات السياسية، وبدا غالبية اللاعبين السياسيين وصنَّاع القرار إمَّا مرتبطين بمصالح مناطقية لمدنهم وقبائلهم، أو بتحالفات خارجية سمحت لأطراف إقليمية ودولية بالتدخل في الشؤون الليبية وإذكاء الصراعات الدائرة، وإعادة رسم خريطة التوازنات طبقًا لتقاطع المصالح، فباتت حكومة الوفاق -المنبثقة عن اتفاق الصخيرات والمعترَف بها دوليًّا- في مواجهة مأزقين: الأول: تعطُّل التصديق عليها تحت قبة البرلمان بسبب الخلافات بين أعضائه، والثاني: صعوبة قيامها -في ظل الظروف الراهنة- بتطبيق بنود اتفاق الصخيرات الذي يُفترض أن يفضي إلى تحقيق توافق بين الفرقاء، وإنهاء الحرب وتفعيل المصالحة الوطنية.

مراكز القوى الفعلية

وأوضح الكاتب أن ليبيا تحكمها حاليًّا ثلاثة مراكز للقوى:

*الأول: المجلس الرئاسي ل حكومة الوفاق الوطني، وهو يترأس حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز ال سراج ومقرها طرابلس ، وينبغي أن يصدِّق البرلمان (مجلس النواب المنعقد في طبرق ) على الحكومة طبقًا لاتفاق الصخيرات، لكن نظرًا للخلافات بين الأعضاء والاقتحامات المتكررة لقاعة البرلمان وتهديد النواب والاعتداء عليهم من قبل أقلية من نواب المنطقة الشرقية موالين للقائد العام للجيش الوطني الليبي (المعين من قبل مجلس النواب)، خليفة حفتر ، أخفق البرلمان في تمرير الحكومة أكثر من مرة؛ فاضطرت الأغلبية المؤيدة للحكومة إلى إصدار بيان مكتوب تعتمد بموجبه الحكومة خارج قاعة البرلمان مرتين خلال شهري يناير ومارس 2016.

ولم تُجدِ اللهجة اللينة التي يستخدمها المبعوث الأممي مارتن كوبلر -خلال زياراته المتكررة ل طبرق - في حثِّ رئاسة مجلس النواب على التصديق على الحكومة ولم تزل هناك إشكالية تنازع الشرعية بين حكومة الوفاق وبقايا كل من حكومة الإنقاذ الوطني، برئاسة خليفة الغويل المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام السابق في طرابلس ، وحكومة عبد الله الثني المنبثقة عن برلمان طبرق ومقرها مدينة البيضاء بشرقي ليبيا.

 تعثُّر 

ورغم أن المجلس الرئاسي نجح في السيطرة على أهم مؤسستين اقتصاديتين في طرابلس ، وهما: مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط فضلًا عن كسب دعم عدد من رؤساء البلديات في غرب البلاد وجنوبها وقيادة الحرب على تنظيم الدولة في وسط ليبيا من خلال عملية البنيان المرصوص العسكرية التي نجحت بدورها في هزيمة تنظيم الدولة في أكبر معقل له بمدينة سرت، تُرجِّح غالبية الآراء أن ال سراج لا يتمتع بقوة القرار، خاصة في مواجهة التحديات الجمة التي تواجه حكومته وعلى رأسها التحديات الأمنية وتوحيد الفرقاء الليبيين.

كما أن هناك خشية من أن تتلاشى شعبية الحكومة الوليدة شيئًا فشيئًا مع سأم المواطنين من الأزمات المالية والأمنية المتلاحقة، وتأخر الحكومة في الإيفاء بوعودها بإنهاء معاناة المواطنين التي تستشري يومًا بعد يوم.

ويرتبط بعض أعضاء المجلس الرئاسي الثمانية بعلاقات قوية مع الأطراف التي تملك القوة على الأرض؛ فعليٌّ القطراني، على سبيل المثال -وهو عضو المجلس الرئاسي المقاطِع لجلساته بسبب اعتراضه على عدم تعيين حفتر وزيرًا للدفاع في حكومة الوفاق - يمثِّل صوت كلٍّ من حفتر و"عملية الكرامة" والموالين لها في المنطقة الشرقية فضلًا عن نواب البرلمان في طبرق الرافضين ل حكومة الوفاق وعلى رأسهم عقيلة صالح رئيس البرلمان أو ما يُعرف بـ(كتلة السيادة الوطنية).

وقد أحدث تعيين المهدي البرغثي وزيرًا للدفاع في حكومة ال سراج -خلافًا لرغبة معسكر حفتر - انشقاقات في صفوف معسكر حفتر سيما أن البرغثي كان آمرًا للكتيبة 204 دبابات التابعة ل"عملية الكرامة".

ويميل محمد عماري إلى التيار الثوري المتمثل في "مجالس شورى الثوار" في بنغازي و درنة وإجدابيا وهي تشكيلات عسكرية مناوئة ل حفتر ، فيما يُعد أحمد معيتيق -الأقرب لتيار الاعتدال والمصالحة الوطنية، وهو ابن مدينة مصراتة - أكبر قوة عسكرية وشعبية مؤيِّدة ل حكومة الوفاق .

وبينما يعترض عمر الأسود -ابن مدينة الزنتان بالجبل الغربي- على ما اعتبره التمثيل غير المتكافئ لبعض المدن والمناطق في الحكومة الجديدة، وعليه فهو لا يتفق مع باقي أعضاء المجلس في اتخاذ القرارات المتعلقة بتعيين بعض وزراء الحكومة، كما يمثِّل فتحي المجبري صوت حرس المنشآت النفطية المتحكم في إغلاق وضخ النفط في منطقة الهلال النفطي.

*الثاني: تحالف الغويل-بوسهمين–دار الإفتاء وذراعهم العسكرية (بقايا لواء الصمود)

يمثِّل هذا التحالف أقصى اليمين مناوَأَةً ل حفتر في غربي ليبيا وهو المعسكر الذي يضم أقلية من الأعضاء السابقين ب المؤتمر الوطني العام ممن رفضوا الانضمام إلى المجلس الأعلى للدولة المنبثق عن اتفاق الصخيرات -اعتراضًا على بنود اتفاق الصخيرات- وعلى رأسهم رئيس المؤتمر الوطني ، نوري أبو سهمين، إضافة إلى الغويل، رئيس حكومة الإنقاذ الوطني المنبثقة عن المؤتمر الوطني ، ومعه عدد من وزراء حكومته التي لم تعد تبسط سيطرتها على مؤسسات الدولة بعد تسلُّم وزراء حكومة الوفاق غالبية مقار الوزارات في طرابلس .

وتوافقت آراء مفتي ليبيا، الشيخ الصادق الغرياني، مع كلٍّ من الغويل وأبو سهمين، خاصة فيما يتعلق برفض حكومة الوفاق ، التي اعتبروها (حكومة وصاية)، دعم مناوئي حفتر لاسيما "سرايا الدفاع عن بنغازي ." فأعطت آراء المفتي لكلٍّ من الغويل وأبو سهمين (سندًا شرعيًّا) دفعهم إلى التشبث بمواقفهم.

وتؤيد هذا المعسكر بقايا "لواء الصمود"، وهو تشكيل عسكري تكوَّن من ثوار سابقين من مدن المنطقة الغربية، مثل: مصراتة والزاوية وغريان و طرابلس وزليتن بقيادة عضو المؤتمر الوطني السابق ابن مدينة مصراتة ، صلاح بادي، قبيل دخول المجلس الرئاسي ل حكومة الوفاق إلى طرابلس لكنه سرعان ما تفكك بعد تأييد غالبية التشكيلات العسكرية في المنطقة الغربية ل حكومة الوفاق .

وقد انبثق "لواء الصمود" عن ائتلاف قوات عملية " فجر ليبيا " الذي تشكَّل بدوره مطلع يوليو عام 2014 وضَمَّ ثوارًا سابقين وعسكريين من غالبية مدن غرب ليبيا وأغلبهم من مدينة مصراتة ، وكان يهدف إلى استعادة السيطرة على مطار طرابلس الدولي والمعسكرات المحيطة به من الكتائب المتحالفة مع حفتر ككتيبتي "القعقاع" و"الصواعق" المحسوبتين على مدينة الزنتان وما كان يُعرف ب"جيش القبائل" المحسوب على منطقة ورشفانة جنوبي غرب طرابلس .

ولم يزل معسكر أبو سهمين-الغويل معارضًا ل حكومة الوفاق الوطني رغم وقوعهما -جنبًا إلى جنب مع رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح- تحت طائلة العقوبات التي أقرَّها الاتحاد الأوروبي في إبريل الماضي باعتبارهم معرقِلِين لاتفاق الصخيرات وإنهاء الصراع في ليبيا.

*الثالث: تحالف حفتر –عقيلة صالح– عبد الله الثني وذراعهم العسكرية (عملية الكرامة)

هناك صلة وثيقة بين حفتر الذي عيَّنه البرلمان في طبرق قائدًا عامًّا (للجيش الوطني الليبي) في فبراير 2015 ورئيس البرلمان عقيلة صالح وتضم قوات حفتر – "عملية الكرامة" العسكرية- أقلية من عسكريين سابقين وأغلبية من مسلحين قبليين من المنطقة الشرقية بايعوا حفتر مقابل وعوده لهم ببناء جيش وشرطة نظاميين تحت شعار (محاربة الإرهاب).

وقد وصم حفتر كل مناوئيه بالإرهاب بمن فيهم المعتدلين. وبعد عامين من الحرب الأهلية التي أفرزتها "عملية الكرامة" في بنغازي ، يشهد معسكر حفتر انشقاقات بعدما أصيب حلفاؤه بخيبة أمل جرَّاء إعادة حفتر الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق لممارسة أنشطتها القمعية في المنطقة الشرقية وضلوعها في عمليات خطف واغتيال المدنيين.

لكن في المقابل تشير المعطيات الموجودة على الأرض إلى أن حفتر يتحكم من مقر قيادته العسكرية في مدينة المرج (100 كم شرق بنغازي ) في كل من البرلمان في طبرق وحكومة الثني المنبثقة عنه في مقرها بمدينة البيضاء -التي لم تزل بدورها تتمسك بالشرعية التي استمدتها من مجلس النواب في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2014-. وقد أدَّى عدم تمرير مجلس النواب حكومة الوفاق إلى امتناع الثني بدوره عن تسليم مقار مؤسسات الدولة في المنطقة الشرقية ل حكومة الوفاق .

وقد نجح حفتر في كسب تأييد زعماء غالبية قبائل المنطقة الشرقية -التي يطغى فيها النظام القبلي- فبات من الصعب اتخاذ هاتين المؤسستين أي قرار دون موافقته. لكن المثير للجدل هو أن كلًّا من معسكر "الكرامة" في الشرق ومعسكر "الصمود" في الغرب ليسا فقط عدوين لكل منهما الآخر، بل إن كليهما مناوئ ل حكومة الوفاق .

وما زالت "عملية الكرامة" العسكرية منذ انطلاقها في السادس عشر من مايو 2014 منخرطة في حرب أهلية مع فصائل عسكرية أخرى في شرق ليبيا وخاصة "مجلس شورى ثوار بنغازي " -الذي يضم دروع ليبيا التي تشكَّلت بالأساس من ثوار السابع عشر من فبراير- وكذلك "سرايا الدفاع عن بنغازي " -التي تشكَّلت مطلع يونيو الماضي وتضم مناوئي حفتر في مدينة إجدابيا (170 كم جنوب غرب بنغازي )-، ومعهم أبناء بنغازي العائدين الذين كانوا قد خرجوا واستقروا في غرب ليبيا بعد انتقال المواجهات المسلحة إلى الأحياء السكنية في بنغازي في أكتوبر العام الماضي.

ومن ناحية أخرى تُمثِّل هزيمة تنظيم الدولة الاختبار الأصعب لمراكز القوى؛ فمن المفارقات أن حفتر -الذي رفع شعار محاربة الإرهاب في المنطقة الشرقية- لم يُفلح في القضاء على تنظيم الدولة في بنغازي وحدها منذ انطلاق "عملية الكرامة"؛ فمن أخرج التنظيم من درنة وضواحيها بشرقي ليبيا في مايو 2016 هي قوات "مجلس شورى مجاهدي درنة " الذي تشكَّل من كتائب مسلحة مناوئة ل حفتر ، ومن أخرج التنظيم من صبراتة بغربي ليبيا نهاية فبراير من العام نفسه هم ثوار مدينة صبراتة والمدن المجاورة لها وهم لا علاقة لهم ب حفتر ، ومن هزم التنظيم في سرت بوسط ليبيا -أكبر معقل للتنظيم في شمال إفريقيا- هي قوات عملية البنيان المرصوص التي أطلقها المجلس الرئاسي ل حكومة الوفاق الوطني مطلع مايو 2016، وتُشكِّل قوات مصراتة الغالبية العظمى منها ومعها أيضًا تشكيلات عسكرية موالية لحكومة الغويل.

تأييد

ورغم أن بعض التشكيلات العسكرية المناوئة ل حكومة الوفاق تنحدر من مدينة مصراتة إلا أنه من حسن حظ حكومة الوفاق تحالفها مع النخب السياسية ورجال الأعمال هناك بمن فيهم نائب رئيس المجلس الرئاسي،  أحمد معيتيق الذي سهَّل تحالف الحكومة مع كبريات الكتائب المسلحة هناك، لاسيما كتيبة "الحلبوص" و"لواء المحجوب" وهما أكبر الكتائب المسلحة ليس في مصراتة فقط، بل في ليبيا قاطبةً.

وضمن أكبر الفصائل العسكرية المؤيدة ل حكومة الوفاق أيضًا 'قوة الردع الخاصة' بقيادة عبد الرؤوف كارة ومقرها داخل مجمع معيتيقة في الجهة الشمالية الشرقية من طرابلس ، حيث يوجد المطار الوحيد الذي يعمل في العاصمة. وهي قوة ذات توجه سلفي تتكون من قرابة 1500 جندي وتقوم بدور الشرطة في المدينة وبرز دورها في الآونة الأخيرة في استهداف عناصر تنظيم الدولة ومن لهم صلة بهم في طرابلس .

وقد شكَّلت داخلها وحدة لمكافحة الإرهاب تتكون من عناصر من القوات الخاصة الذين رفضوا الانضمام إلى "عملية الكرامة" بقيادة حفتر رغم وجود خلاف فكري بين "قوات الردع" وبين "مجلس شورى ثوار بنغازي " الذي يعتبرهم (امتدادًا لمشروع حفتر )، كما جاء على لسان القائد الميداني بمجلس "شورى ثوار بنغازي "، وسام بن حميد، ذلك أن قوات الردع متهمة بتوقيف أفراد تابعين ل"مجلس شورى ثوار بنغازي " في مطار طرابلس وتعذيبهم، كما تقاتل "كتيبة التوحيد" السلفية ضمن صفوف حفتر ضد "مجلس شورى الثوار في بنغازي ".

وهناك أيضًا تشكيلات عسكرية من منطقة سوق الجمعة القريبة من مطار معيتيقة تلعب دورًا مهمًّا في تأمين وحماية مقارِّ حكومة الوفاق ككتيبة النواصي القريبة من الردع في التوجه. لكن في المقابل هناك تشكيلات عسكرية أخرى في طرابلس لم يتضح موقفها من الحكومة الجديدة بعد، كمجموعات مسلحة ذات توجه إسلامي بعضها تربطه صلة بما كان يُعرف ب"الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة"، وأخرى بقيادة شخص يدعى هيثم التاجوري الذي هاجمت مجموعته المقر السابق للمجلس الرئاسي ل حكومة الوفاق في القاعدة البحرية بمنطقة بوستة احتجاجًا على ما اعتبرته تقصير الحكومة في التعاطي مع الأزمات المالية وغلاء الأسعار والانقطاع المتكرر للكهرباء والماء في طرابلس .

ولعل من أبرز التحولات في موازين القوى الفاعلة لصالح حكومة الوفاق منذ دخولها إلى المشهد السياسي هي بوادر عودة مدينة الزنتان مؤخرًا إلى حظيرة الشرعية بعد لقاء وجهائها وأعضاء مجلسها العسكري مع أعضاء المجلس الرئاسي ل حكومة الوفاق نهاية يونيو الماضي، والاتفاق على تفعيل مبادئ المصالحة الوطنية، فإن اكتمل تنفيذ هذا الاتفاق سيؤثر ذلك على موقف حفتر الذي سيفقد الحليف الأقوى له في المنطقة الغربية.

تصدير النفط؟؟

وأوضح الكاتب أن الخلاف الذي نشب بين حفتر ورئيس جهاز حرس المنشآت النفطية ، إبراهيم الجضران، خاصة بعد اتهام الـــأخير حفتر بمحاولة اغتياله، في سبتمبر عام 2015، تطور إلى موقف رسمي معادٍ لعملية "الكرامة" و"المعسكر الشرقي"، أعلنه المتحدث باسم الجهاز في أكتوبر عام 2015، إلى أن أصبح ذلك العداء حافزًا لانضواء الجضران تحت مظلة حكومة الوفاق الوطني؛ وبذلك صار جهاز حرس المنشآت النفطية أكبر حليف لحكومة ال سراج في المنطقة الشرقية، في الوقت الذي يتركز دعم حكومة ال سراج في المنطقتين الغربية والجنوبية.

وقد عوَّل كثيرون على اتفاق المجلس الرئاسي مع حرس المنشآت النفطية في مدينة رأس لانوف الساحلية بمنطقة الهلال النفطي بوسط ليبيا في الثامن والعشرين من يوليو الماضي -عقب لقاء المبعوث الأممي إلى ليبيا، مارتن كوبلر، مع الجضران- لإبرام اتفاق على إعادة فتح موانئ تصدير النفط مقابل دفع رواتب متأخرة لأفراد حرس المنشات النفطية الذين كانوا قد أغلقوا المواني بزعامة الجضران وقوات قبلية من منطقة الهلال النفطي منذ يوليو عام 2013 احتجاجًا على تأخر رواتبهم وما اعتبروه حرمان المنطقة الشرقية من حقها في عائدات النفط.

ورغم أن إعادة فتح موانئ تصدير النفط تواجه اعتراضًا من المعسكر الشرقي وصل إلى حدِّ التهديد بقصف أي ناقلة نفط تقترب من منطقة الهلال النفطي، كما جاء على لسان عبد الرازق الناضوري، رئيس الأركان في المعسكر الشرقي فضلًا عن اعتبار رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، مصطفى صنع الله، الاتفاق نوعًا من الابتزاز بذريعة أن الجضران شخصية غير اعتبارية، ومن الخطأ مكافأته على إيقاف تصدير النفط طيلة ثلاثة أعوام تكبدت خلالها الخزانة الليبية قرابة مائة مليار دولار، فلا يبدو هناك خيار أمام المجلس الرئاسي سوى المضي قدمًا في محاولة إعادة إنتاج النفط إلى سابق عهده وإنقاذ البلاد من الإفلاس.

ومع إصرار قوات حرس المنشآت على إعادة تصدير النفط، يبدو أن بوادر تصعيد عسكري تلوح في الأفق في منطقة الهلال النفطي، خاصة بعد تحدي رئيس حرس المنشآت النفطية، العميد علي الأحرش تهديدات الناضوري في بيان مصوَّر.

ازدواجية المواقف

وأثارت مشاركة قوات فرنسية حفتر في حربه على مناوئيه في شرق ليبيا غضبًا على المستويين الرسمي والشعبي، خاصة بعد اعتراف الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، بمقتل ثلاثة من القوات الفرنسية إثر تحطم مروحية أسقطتها "سرايا الدفاع عن بنغازي " فوق بلدة المقرون (80 كيلومتر جنوب غرب بنغازي ) منتصف يوليو2016، وطالب المجلس الرئاسي ل حكومة الوفاق -تحت ضغط شعبي- فرنسا بتوضيح أسباب وملابسات الوجود الفرنسي على الأراضي الليبية.

لكن صمت مجلس النواب في طبرق يُرجِّح علمه بهذا التدخل وغض الطرف عنه، ومن جانب آخر، فالتدخل يكشف ازدواجيةً في مواقفِ فرنسا تجاه القضية الليبية، فهي وإن أعلنت دعمَها ل حكومة الوفاق ِ الوطني، لا تجد حرجًا في مدِّ يد العونِ لطرف في الصراع لا يعترف بهذه الحكومة. وذلك يضع مزيدًا من العبء على عاتق حكومة الوفاق في ظل الضغط الشعبي المطالِب بإخراج القوات الفرنسية من الأراضي الليبية، خاصة بعد فضيحة التسجيلات المسرَّبة التي نشرها موقع "ميدل إيست آي"، في الثامن من يوليو 2016، والتي تثبت وجود قوات أمريكية وبريطانية وفرنسية في قاعدة بنينا الجوية التابعة ل حفتر جنوب شرق بنغازي ، وهو ما أكَّده العميد صقر الجروشي، قائد القوات الجوية بعملية "الكرامة"، في الثاني والعشرين من يوليو 2016.

ويبدو أن التدخل الغربي يهدف إلى ترجيح كفة حفتر في صراعه ضد مناوئيه بعد إخفاقه على مدى عامين في إحكام السيطرة على بنغازي . ويرجِّح مراقبون أن مساندة الغرب ل حفتر تهدف إلى السيطرة على منطقة الهلال النفطي على ساحل برقة بوسط ليبيا ومنع وصول مناوئيه إليه، وهذا يدل على أن قضية إنهاء الصراع وتحقيق الاستقرار في ليبيا لا تعني الغرب بقدر ما تعنيه السيطرة على ثرواتها النفطية. 

تدخل مصري

ولم يعد خفيًّا دور مصر في توجيه مواقف المعسكر الشرقي الذي يضم حفتر وعقيلة صالح؛ فالزيارات المتكررة لمسؤولي المعسكر الشرقي إلى القاهرة -المعلَنة منها والسرية- لا تقتصر على توطيد العلاقة بين القاهرة و طبرق ودعم القاهرة لعملية "الكرامة" بالسلاح فحسب، بل إن المشروع المصري في ليبيا يهدف إلى تقوية شوكة عملية "الكرامة" كي "تكون حائط صدٍّ بين نظام السيسي وثورة السابع عشر من فبراير التي تمثِّل بدورها التهديد الأكبر لنظامه وراء حدود مصر الغربية. وكذلك كي يكون هذا الحائط فاصلًا بين المعارضة المصرية في الداخل ومثيلاتها في ليبيا، فضلًا عن إزاحة خطر تمدد تنظيم الدولة بعيدًا عن الحدود المصرية من خلال نظام يتصدى له بالوكالة، وفق الكاتب.

ولهذا يهدف مشروع السيسي إلى تدمير حركات الإسلام السياسي الثورية المناوئة ل حفتر ، وفرض معسكر حفتر على حكومة الوفاق الوطني كجزء من الحل للأزمة الليبية. ويتضح ذلك من خلال دعوة القاهرة حفتر لحضور لقاء أعضاء بالمجلس الرئاسي مع عقيلة صالح ووزير الخارجية المصري، سامح شكري، وبحضور عدد من كبار قيادات الاستخبارات المصرية في السابع والعشرين من يوليو 2016.

وإن لم تُفلح محاولات نظام السيسي في فرض معسكر حفتر كجزء من الحل للأزمة الليبية، فيُخشى أن يتجه إلى تعزيز استقلالية القرار في المنطقة الشرقية كي يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى إنتاج حكم ذاتي في برقة يدين بالولاء لنظام السيسي الذي دعا في فبراير 2015 الأمم المتحدة للتدخل عسكريًّا في ليبيا لمحاربة مناوئي حفتر عقب قصف الطيران المصري مدينة درنة شرقي ليبيا وقتل مدنيين بينهم أطفال ونساء.

وهذا يبرز تناقضًا في الدور المصري تجاه حكومة الوفاق ، فالخارجية المصرية من جانب أيَّدت رسميًّا حكومة الوفاق وترعى ما قالت: إنها سلسلة لقاءات لتقريب وجهات النظر بين حكومة الوفاق والمعسكر الشرقي، لكن من جانب آخر، تدعم الأجهزة الأمنية المصرية حفتر في حربه ضد مناوئيه.

خاتمة

وفي خاتمة دراسته أكد الكاتب أن حكومة الوفاق الوطني تبقى في مهب الريح وهي في طور التأسيس. ويُخشى أن يصير الصراع في المنطقة الشرقية باعثًا على طرح البعثة الأممية خيار التقسيم حلًّا لإنهاء الحرب التي طال أمدها، لكن الصراع في برقة قد لا ينتهي بشكل كامل مع وجود مناوئي حفتر في مناطق متفرقة أبرزها مدينة درنة التي ترى في عملية الكرامة انقلابًا عسكريًّا يمهِّد لتنصيب حفتر حاكمًا عسكريًّا، استنساخًا لتجربة السيسي في مصر.

كما أن أبناء المدن الشرقية الذين قَدِموا إلى بنغازي ضمن "عملية الكرامة" قد يدخلون في صراع آخر مع "قبائل بنغازي " على أحقية المناصب والامتيازات العسكرية. وفي ظل تلك الظروف قد يشكِّل الصراع على النفط بين الشرق والغرب ملامح المشهد القادم في حال فشلت المؤسسة الوطنية للنفط والأطراف الغربية المعنية بالنفط الليبي -كإيطاليا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة- في إيجاد آلية عادلة لتقسيم عوائد النفط الذي يوجَد قرابة ثلثيه في برقة. ولو استقرت المنطقة الغربية بعد هزيمة تنظيم الدولة في سرت ربما يضع ذلك الكرة في ملعب حفتر أمام المجتمع الدولي باعتباره صاحب قرار استمرار الحرب أو إيقافها.

الكاتب: محمود عبد الواحد- خبير في الشأن الليبي

* الصوررة: تصميم مركز الجزيرة للدراسات 



كلمات دلالية   :       ليبيا     حكومة الوفاق الوطني     الأزمة الليبية