المقالات

أين الدولتيون؟.. أو غياب تيار الدولة في ليبيا

August 29, 2016

أ. اسماعيل رشاد

أشرنا في مقالات سابقة إلى منظور للقضية الليبية تناول أول المقالات دور الدين والجماعة الاجتماعية في الصراع على السلطة في ليبيا، وركز الثاني على تأثير الجغرافيا والديموغرافيا على الصراع على السلطة، وجاء الثالث ليتوقع الاحتمالات التي قد تتحرك نحوها ليبيا؛ وهي الحرب والتقسيم والاستبداد أو التثاقف الاجتماعي من خلال حوار يلم شتات المتصارعين مع سائر الليبيين.

ويأتي هذا المقال ليعزز منظور السلام في ليبيا حيث يطرح الأزمة وحلها من زاوية مختلفة ورغم أنها تتفق مع المقالات السابقة إلا أنها تحلل القضية الليبية بافتراض أن كل ما ذكرته المقالات السابقة عن دور الدين والجماعة الاجتماعية وتأثيرات الجغرافيا والديموغرافيا والاحتمالات المترتبة على كل ذلك إنما كانت لسبب جوهري وهو  غياب "الدولتيون" أو تيار الدولة عن المشهد العام في ليبيا مما منح فرصا لهيمنة المتصارعين على السلطة بسبب رؤية قاصرة معرفيا عن استيعاب مفهوم الدولة التفصيلي.

وأدت تلك الرؤية القاصرة وغياب المفهوم التفصيلي للدولة إلى نقل الصراع إلى مؤسسات الدولة وعليها بعد أن بدأت في مؤسسات السلطة مما ينذر بانهيار بقايا الدولة في ليبيا، ويجعل الواقع أعقد من أن يعالج بالخبرات المحلية التي تركز على رأب صدع النزاعات الاجتماعية المسلحة في مقابل العجز التام لهذه المعالجات المحلية عن وقف النزاعات ذات البعد الجهوي العريض أو الديني.

أما الدولتيون فهم من يمارس السياسة في كل مستوياتها بعيدا عن إقحام مؤسسات الدولة في تلك الممارسة التي قد تتسع إلى حد التنافس والتصارع وربما التقاتل بين الخصوم السياسيين ولكن دون أن يصبح الصراع ضد المؤسسة التي يرأسها أو يعمل فيها الخصم السياسي، وهنا يكمن الفرق والفارق بين الدولتيين الغائبين ومن هم في الصراع الدائر حاليا في ليبيا،  فالاختلاف مع حكومة أو مجلس تشريعي أو مؤسسة عسكرية ينحصر عند تيار الدولة في أسباب تتعلق بممارسات من فيها وليس في المؤسسة ذاتها وهنا يلتزم الخصوم السياسيون الدولتيون على حماية مؤسسات الدولة في صراعهم وأيضا يلتزمون بعدم جر المجتمع في خصوماتهم وصراعاتهم السياسية.

ولعل دلائل غياب الدولتيين عن المشهد العام في ليبيا ما تعانيه ليبيا واقعا من انقسام في مؤسسات الدولة المختلفة الأمنية والعسكرية والمالية والاقتصادية والرقابية، إلى جانب انقسام كامل في هياكل السلطة التنفيذية والتشريعية، والأكثر تجذرا لغياب تيار الدولة ما بات لمؤسسات الدولة المنقسمة أو هياكل السلطة وكل المكونات الموازية لمؤسسات الدولة حتى المنقسمة من شرعيات محلية وجهوية سياسية واجتماعية مدعومة بتحالفات إقليمية ودولية تمعن في استمرار الانقسام وسط سيطرة تيارات الانقسام غير الواعية بتداعيات الانقسام على المدى القصير وليس حتى المتوسط فضلا عن البعيد فالقصير هو انهيار الدولة والمتوسط هو اتساع الحرب الأهلية والبعيد هو تقسيم الجغرافيا والديموغرافيا الليبية.

منطقيا لا يمكن توقع عدم حدوث صراع على السلطة بعد سقوط سلطة القذافي، لأن القذافي نفسه غيب طوال عقود حضور مؤسسات الدولة عبر ربطها بشخصه أو بالمقربين منه، لكن من المتوقع أن يتأسس الصراع في هياكل السلطة وليس عليها بين الشخصيات العامة والتيارات السياسية دون أن ينتقل الصراع إلى السيطرة على هياكل السلطة ثم يتسع ليصل إلى الحرب لأجل السيطرة على مؤسسات الدولة الثابتة مثل المصرف المركزي وديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية والمؤسسة العسكرية والأمنية المختلفة وكل الشركات والمؤسسات العامة، ولا شك أن عديد الإدارات في هذه المؤسسات قد أذكى نار الصراعات عليها بقصورها الإداري وانحيازها المعلن أو غير المعلن لبعض أطراف الصراع في ليبيا.

ما حدث في فبراير وفي وقت مبكر من سعي لمعارضي القذافي للهيمنة على السلطة في ليبيا معتمدين على ثقة قطاعات واسعة من المجتمع اكتسبوها بناء على سجل غير دقيق للنضال ضد القذافي، وكان في قيادة هؤلاء المعارضين من قضوا عقودا خارج ليبيا، ولم يشاركوا في الحراك الثقافي الاجتماعي ذي الصبغة السياسية في الداخل خلال العقد الذي سبق فبراير، ومثل ذلك التيار المحلي حالة الوعي الوطنية (المحلية) التي ابتعدت كثيرا عن النزاعات الإيدولوجية والجهوية، وثابرت على توسيع مسارات الإصلاح، وكان لها دور محوري في إشعال شرارة العصيان المدني ضد نظام القذافي مؤيدة من حاضنة اجتماعية من المواطنيين العاديين مثلوا مختلف الشرائح والفئات.

اندلع النزاع منذ الشهور الأولى بإقصاء مشاركة الحراك الثقافي الاجتماعي الداخلي متنوع الاتجاهات وبدأت مزاحمته من القادمين من الخارج بتأييد من أعضاء تيارات الخارج الذين استمر وجودهم في الداخل وكان المئات منهم رهن الاعتقال في السجون، وحدثت بعض الخلافات بين القادمين من الخارج وبعض أندادهم في تياراتهم من الموجودين في الداخل إلا أن منظور تلك التيارات غالبا كان يرسمه القادمون من الخارج.

موضوعيا يضطر المتأمل لهذا الصراع إلى أن يبرره بغياب إدراك تفصيلي لمفهوم الدولة خصوصا من جهة مؤسسات الدولة وضرورة عدم إقحامها في النزاع السياسي المتوقع حدوثه عند جميع المتصارعين، غير أن هذا الاعتذار الموضوعي لا يمنع من الاعتراف بأن نقل الصراع إلى مؤسسات الدولة بسبب غياب الوعي بمفهوم الدولة زاد من تأزيم القضية الليبية، والأهم أنه لأسباب تتعلق بعدم تأسس تيار للدولة في الحالة السياسية والاجتماعية العامة في ليبيا حتى الآن يضطر المتأمل في المشهد الليبي إلى الاعتراف بأن التوقعات بخصوص الأوضاع في ليبيا لن تكون مبشرة؛ لكنها توجب على من يدرك خطورة غياب تيار الدولة أن يساهم في إيجاده.

ما حدث في 2012 من انتخابات للمجالس المحلية باندفاع من التيار المحلي وحاضنته الاجتماعية شكلت دلائل مهمة أن المجتمعات المحلية كانت تتجه إلى دعم مؤسسات الدولة، وكان من الممكن أن يتأسس على هذا الحراك المحلي الأخلاقي تيار للدولة، غير أن انتخابات المؤتمر الوطني أفرزت قيادات سياسية فاعلة عاشت عقودا تعارض القذافي من الخارج أو قيادات سياسية محلية مرتبطة بها تنظيميا وفكريا، وبدأت مجتمعة تؤسس صراعا صفريا ضد مؤسسات الدولة ربما لإنكارهم الذاتي بوجود مؤسسات للدولة في ليبيا حيث اعتادوا ربطها بشخص القذافي الذي عارضوه لسنوات طويلة ونفي نسبتها للدولة.

وكان نتيجة لهذا الوعي النافي لوجود مؤسسات للدولة أن برز صراعهم مع تلك المؤسسات بصفته صراع شخصي وأضحت مواقفهم سلبية من المؤسسة العسكرية والأمنية إلى جانب سيطرتهم على أرشيف الدولة الأمني، كما سُجِن المئاتُ من منتسبي تلك المؤسسات في سجون تتبع بعض تلك التيارات لأسباب كثيرة منها ما كان شخصيا أو فئويا يخص علاقة بعض التيارات مع أشخاص في مؤسسات الدولة.

وتماشيا مع حالة الإنكار الذهنية لوجود مؤسسات الدولة نتيجة ممارسات العاملين فيها ضد المعارضين في الخارج عملت التيارات المناهضة للدولة إلى تأسيس أجسام موازية لتلك المنسوبة للدولة على الأخص المؤسسة العسكرية والأمنية فظهرت كتائب ومجالس واتحادات وألوية مسلحة لا تعترف بالمؤسسة العسكرية والأمنية نظرا لخصومتهم السابقة معها، وعملت تلك المكونات الوليدة على تحصيل الدعم من الموازنة العامة للحكومات المختلفة مستخدمين شتى الوسائل لأجل ذلك بما فيها التهديد والضغط وغيرها من وسائل تشابه وسائل الابتزاز.

 ومع تطور الصراع أصبح مطلب الرافضين لمؤسسات الدولة المنكرين لوجودها هو إعادة تأسيس مؤسسات جديدة وليس إصلاح القائم منها وبالتالي أغلقوا بلا إدارك منهم الطريق أمام أي محاولة للإصلاح فتحدد الخيار في الصدام ثم الاقتتال الذي تشهده ليبيا.

وجاء موازيا لما أسسه القادمون من الخارج من مناهضة لمؤسسات الدولة ما ظهر من بعض المدن والمناطق من اندفاع في الصراع على السيطرة على مؤسسات الدولة، أو بتأسيس أجسام موازية لها بالتحالف مع تيارات سياسية ومسلحة تتصارع فيما بينها وظهر ذلك جليا سنة 2013 حيث نشأت كتائب وألوية مسلحة جهوية تقابل كتائب الإسلاميين الذين لم يعترفوا بوجود المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية، ثم في سنة 2014 بعد عمليتي الكرامة و فجر ليبيا على التوالي.

وبما سبق أصبح الانقسام في مؤسسات الدولة وقبلها السلطة هو السمة الغالبة للوضع العام في ليبيا، وبات لكل طرف يمثل زاوية من زوايا الانقسام من يُنظر له ويبرر ويشجع على استمرار الانقسام باستخدام عديد الخطابات الجهوية والدينية وأصبح العاملون في واجهات الإعلام والمؤسسات الدينية يعمقون بخطابهم هوة الصراع ويشجعون على انتهاك الدولة ومؤسساتها.

الآن في أغسطس 2016 باتت ليبيا غارقة في الانقسام والتشظي في مختلف مؤسسات الدولة فضلا عن السلطة، ولم ينجح السياسيون والزعماء الاجتماعيون والدينيون في عزل الدولة ومؤسساتها عن نزاعاتهم وصراعاتهم ثم حروبهم المسلحة، بل مارسوا تهديدهم ولايزالون ضد من يسعى لحماية الدولة ومؤسساتها من الانهيار التام، واستطاعوا متفرقين أن يؤسسوا وعي المجتمع على الصراع والانقسام ومعاداة مؤسسات الدولة ومن ينادي بحماية الدولة ومؤسساتها من ذلك الصراع والاحتراب.

وبات المتصارعون في الداخل مرتهنين لعديد تحالفاتهم الخارجية التي تحركها مصالح عملياتية (براغماتية) لحلفاء الخارج متناقضة أو تعكس صراعات إقليمية بين تلك القوى الخارجية، وتحولت بعض تلك التناقضات الإقليمية إلى حروب بالوكالة بين المتنافسين من حلفاء الخارج فوق الجغرافيا الليبية، وينفذها ليبيون لا يدركون عقبات حروبهم على استمرار دولتهم بعد أن نقلوا الحرب إلى مؤسساتها وعليها.

ليس ممكنا تصور حل في ظل هيمنة مركب معرفي مناهض لمؤسسات الدولة إما لإنكار وجودها أو لارتباط مصالح المتصارعين بضعف تلك المؤسسات أو حتى اختفائها وذلك بعد أن أسست سنوات الصراع والحرب منذ فبراير شبكات مصالح سياسية ومالية واقتصادية واجتماعية أكثرها ارتبط بخارطة صراعات الجيوبولتيك الإقليمية والدولية.

لكن هل يمكن أن ينشأ تيار "الدولتيون" في ليبيا؟ منطقيا، الإجابة نعم فنشوءه ليس مستحيلا في العقل وعديد المجتمعات والدول نجحت في تخطي الصراع على مؤسسات الدولة بنجاح تيار الدولة في حماية ما تبقى من مؤسسات الدولة من الانهيار بتحييدها عن الصراع أولا ثم إعادة توحيدها ثم السير بها نحو النهوض والتطور، إلا أن هذا الممكن له اشتراطات مرتبطة بنجاح تأسيس تيار للدولة يستجيب قادته ومنتسبوه لكل الدوافع التي شكلت المبرر لهدم مؤسسات الدولة، ولكن بمنظور بنائي يزيل مخاوف المنكرين لوجود تلك المؤسسات ويتمكنوا من بناء حوار مجتمعي يؤسس لعقد اجتماعي تتأسس عليه الحالة السياسية العامة وكذلك تنطلق منه تدفقات ثقافية تعيد ترتيب المركب المعرفي للمجتمع فتتأسس المفاهيم التفصيلية للدولة مما ينتج عنها خطابات مؤيدة لها يفهمها كل المجتمع فيعاد بناء العلاقات في اتفاقها واختلافها على أساس حماية الدولة ومؤسساتها