المقالات

الأمن القومي الغربي واستقرار ليبيا

September 05, 2016

المرصد الليبي للإعلام 

ذكر الخبير البريطاني في الشؤون الدولية أندرو هاموند في تحليل نشرته صحيفة الإندبندنت البريطانية –يومية بريطانية ذات توجه تقدمي أوروبي، تنتمي إلى وسط اليسار، أسست سنة 1986- يوم 5 أغسطس الماضي بعنوان: "ليبيا الخط الأول في مواجهة داعش ، وليست سوريا" أن في ظل تنامي عدد مقاتلي تنظيم "الدولة" في ليبيا، أصبحت أولوية القوى الغربية الاحتياط من تشكل شبكات إرهابية في البلاد، تستخدم كقاعدة خلفية لتنفذ هجمات في أوروبا.


وكانت إيطاليا قد وافقت منذ شهر على طلب أمريكي  باستخدام قواعدها الجوية ومجالها الجوي لضرب أهداف "التنظيم" في ليبيا.
وقد تلت هذه الخطوة مباشرة ضربات أمريكية على مواقع التنظيم في مدينة سرت الساحلية، وهي العملية التي وصفها الرئيس الأمريكي بأنها "مصلحة وطنية حيوية"، في أول تدخل دولي ضد أهداف للتنظيم خارج الأراضي التي يسيطر عليها في كل من سوريا والعراق.


ضوء أخضر


وكانت الضربات الأمريكية قد بدأت بعد تلقي الضوء الأخضر من قبل حكومة الوفاق الوطني الليبية المدعومة أمميا، بالرغم من أن الولايات المتحدة نفذت في السابق غارة على مدينة صبراتة غرب ليبيا ضد مواقع للتنظيم هناك، من دون علم الحكومة الليبية ، لكن يقدر هاموند أن تصاعد القلق الغربي من الوضع في ليبيا، جعلها أكثر حرصا على دعم الجهود العسكرية في مواجهة التنظيم.

وفي الوقت الذي تسعى فيه حكومة الوفاق إلى فرض سلطتها على البلاد، تستمر المخاوف من تشكل حضن للإرهابيين في ليبيا.

وتقدر الاستخبارات الأمريكية أن عدد مقاتلي التنظيم في ليبيا تضاعف في الـ18 شهرا الأخير، ليتراوح ما بين 4 آلاف و6 آلاف جهادي في ليبيا.

يأتي ذلك عقب مغادرة عدد من مقاتلي التنظيم لأراضي سوريا والعراق، بعد اشتداد الخناق عليهم، جراء قصف التحالف الدولي ( يضم 66 بلدا). وتشير عدة تقارير إلى أن عدد مقاتلي التنظيم في ليبيا أقل مما كان عليه منذ سنتين.


أولويات


واحتل الوضع الأمني الليبي رأس الأولويات خلال اجتماع أبريل الماضي، والذي جمع الرئيس الأمريكي باراك أوباما  برئيس الوزراء البريطاني حينها ديفيد كاميرون والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ورئيس الحكومة الإيطالية ماتيو رينزي، حيث اتفق المسؤولون الغربيون على سوء الأوضاع في ليبيا، بعد أكثر من خمس سنوات من إسقاط القذافي.


وغداة فشل العملية السياسية، إثر سقوط نظام القذافي - أقر الرئيس الأمريكي أنه "أسوأ خطأ" خلال فترته الرئاسية- ما تزال البلاد واقعة تحت سطوة كتائب مسلحة متناحرة وحكومتين وبرلمانين يتقاسمان السلطة.


وقد أقر أوباما أن هذا الوضع سمح لتنظيم "الدولة" باختراق البلاد ويسعى الرئيس الأمريكي إلى إضعاف التنظيم في ليبيا من خلال تقديم الدعم المالي والعسكري واللوجستي والاستخباراتي للحكومة الجديدة في البلاد.


وبعد تواتر الهجمات الإرهابية على القارة الأوروبية، بدأ حرص القادة الغربيين على تعقب مواقع التنظيم في ليبيا، حيث قال وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون "يجب القيام بكل ما في وسعنا لإعادة الاستقرار إلى ليبيا"، بما فيها إرسال جنود بريطانيين لتدريب القوات الليبية الموالية ل حكومة الوفاق .


وأقر أن تنظيم "الدولة" في ليبيا يشكل "تهديدا مباشرا لبريطانيا وأوروبا الغربية، ومصلحتنا في عودة الاستقرار والأمن إلى ليبيا".

وبالإضافة إلى المجهود العسكري، تناقش الدول الغربية الخمس مخططا لإعادة الاستقرار إلى البلاد، من خلال السعي إلى إرجاع نسق إنتاج النفط الحيوي للاقتصاد الليبي، والحد من تدفق الهجرة السرية من هناك.


وتشير الإحصائيات الأممية أن إنتاج النفط -الذي يمثل 95% من صادرات البلاد، و99% من عائدات الحكومة المالية- تراجع بشكل كبير.وتعتبر احتياطات ليبيا النفطية الأكبر في إفريقيا، وضمن أكبر 10 احتياطات نفطية في العالم، حيث كان نسق الإنتاج النفطي في سنة 2010 في حدود 1.65 مليون برميل يوميا، لكنه لا يتجاوز اليوم 360 ألف برميل، في ظل الفوضى والتهديدات الأمنية التي تواجهها المنشآت النفطية، خصوصا عقب الهجمات التي نفذها التنظيم ضد المواقع النفطية. ويقر هاموند أن إنعاش إنتاج النفط في ليبيا ليس حيويا فقط لاقتصاد البلاد، بل لاستمرار حكومة الوفاق .

مؤشرات


وقد ظهرت بعض المؤشرات الإيجابية خلال نهاية يوليو الماضي، عندما تم الإعلان عن توحيد مؤسستي النفط شرق وغرب البلاد، ورفع الحصار على الموانئ النفطية في السدرة والزويتينة القادرتين على تصدير 600 ألف برميل يوميا، بعد الاتفاق بين حرس المنشآت النفطية و حكومة الوفاق ، بعد 18 شهرا من إغلاق الميناءين، بسبب إصرار قوات إبراهيم الجضران على دفع رواتبها من قبل الحكومة.

وتسعى مؤسسة النفط الليبية إلى زيادة الإنتاج بـ 150 ألف برميل يوميا كمرحلة أولى، في انتظار الوصول إلى مستوى 900 ألف برميل مع بداية العام المقبل، لكن يبقى هذا النسق غير كاف، في ظل تراجع أسعار النفط منذ سنة 2014 في الأسواق العالمية.
أما بخصوص موضوع الهجرة، ازداد الاهتمام بالوضع في ليبيا، بعد إمضاء الاتفاق التركي الأوروبي لغلق طريق الهجرة في دول البلقان، حيث بقيت ليبيا الطريق الوحيد للوصول إلى أوروبا، في ظل استمرار حالة الانفلات الأمني فيها.


وقد تم إنقاذ ما يقارب 8 آلاف مهاجر في أسبوع واحد خلال الشهر الماضي، حسب أرقام الحرس البحري الإيطالي.
وما يثير القلق حيال طريق الهجرة الليبية، إمكانية الغرق المرتفعة خلال سفرات الهجرة السرية، حيث تصل معدلات الوفاة جراء الهجرة من ليبيا إلى 1 من كل 20 مهاجران بينما لم تكن مخاطر الوفاة في طريق البلقان تتجاوز حالة وفاة على كل ألف مهاجر.
ويخلص الكاتب إلى أن انطلاق القصف الأمريكي في ليبيا، والدعم المتزايد ل حكومة الوفاق الليبية في مواجهة تهديد تنظيم "الدولة"، يؤكد أن الوضع في ليبيا يشكل أولوية إستراتيجية بالنسبة للأمن القومي للدول الغربية، فإعادة الأمن الداخلي إلى ليبيا، سيمنع التنظيم من استغلال أراضي البلاد كقاعدة خلفية لتنفيذ هجمات إرهابية على الأراضي الأوروبية، علاوة على أن تواصل حالة الانفلات في ليبيا، يفيد تواصل تدفق آلاف المهاجرين على القارة العجوز.

 

* الكاتب: أندرو هاموند باحث في مركز الدراسات الدولية ومختص في الشؤون الدبلوماسية والإستراتيجية في كلية لندن للدراسات الاقتصادية
 

 



كلمات دلالية   :       ليبيا     الحرب على تنظيم الدولة     حكومة الوفاق     الهجرة غير الشرعية