تقدير موقف

تحولات الصراع في الهلال النفطي بعد عملية البرق الخاطف

مثلت دخول قوات الجيش التابعة لمجلس النواب في ليبيا إلى موانئ تصدير النفط في منطقة الهلال النفطي وإعلان سيطرتها عليها تطورا يعاكس التحالفات التي عقدها آمر حرس المنشآت في المنطقى الوسطى إبراهيم جضران الذي أعلن تبعيته للمجلس الرئاسي المنبثق عن الاتفاق السياسي الموقع عليه في الصخيرات المغربية مع سياسيين وأعيان وعسكريين من مصراتة ، وإلى جهود رئيس بعثة الدعم إلى ليبيا مارتن كوبلر الذي أبرم اتفاقا مع جضران يسمح بموجبه بإعادة تشغيل الموانئ النفطية التي كان يسيطر عليها، وكذلك لسرايا الدفاع عن بنغازي ومجلس شورى ثوار بنغازي .

ولم ينجح المجلس الرئاسي في إصدار بيان موحد بل صدرت عنه ثلاثة بيانات في أقل من 24 ساعة حمل كل بيان بصمة التكتلات داخل المجلس ثم ظهر الخلاف إلى العلن بصدور بيان موقع باسم عضوي المجلس فتحي المجبري وعلي القطراني وأيدا فيه ما حدث وفيه تراجع واضح عن تأييد المجبري للجضران بعد أن أيد سيطرة الجيش الذي يقوده الفريق خليفة حفتر على الهلال النفطي. وصدر بيان عن المكتب الإعلامي لرئيس المجلس فايز ال سراج يدعو فيه إلى الحوار والتهدئة وعدم الاحتكام إلى السلاح.

إلى جانب ذلك فقد كانت عملية البرق الخاطف مفاجأة كما وصفته الصحافة الإيطالية لـ"كل" العواصم الغربية التي سارعت إلى إصدار بيانين الأول عن الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا، والثاني عن الاتحاد الأوروبي. وكذلك عبر كوبلر عن اعتراضه لما حدث وطالب في تصريحات متتالية أهمية أن تتبع الموانئ المجلس الرئاسي وتدار من قبله. حتى بيان مجلس الأمن عكس الخلاف بشأن ليبيا بين روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا من جهة ثانية.

الناطق باسم الجيش التابع للبرلمان أحمد المسماري صرح بأن عملية البرق الخاطف هدفت إلى تحرير المنشآت النفطية من قوات غير نظامية تسيطر عليها وتسببت بإغلاق الموانئ في خسارة قدرها رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس مصطفى صنع الله بمائة مليار دولار. وهو الرقم الذي استخدمه حفتر في تصريحه لوكالة سوبتيك الروسية يوم الثلاثاء 13 سبتمبر الجاري كما نقلت عنها قناة روسيا اليوم، وأضاف بأن عمليتهم العسكرية سعت فقط لتحرير الموانئ من سيطرة "مليشيا" غير قانونية  أدت بإغلاقها للموانئ إلى شبه انهيار للاقتصاد الليبي، مؤكدا أن عمليتهم ليس موجهة ضد المجلس الرئاسي بل إن العملية برمتها ليست لها أهداف سياسية. وأظهر حفتر تفهمه للمخاوف التي أظهرتها بيانات الدول الكبرى والاتحاد الأوروبي ليشير  إلى أنها لم تدرك هدفه من العملية التي لا تقصد التحكم في إدارة الموانئ بل تسليمها للسلطة المدنية المعنية بذلك.

ولم تكتمل ثلاثة أيام على دخول الجيش التابع للبرلمان إلى الموانئ حتى توالت التصريحات المؤيدة كان أهمها ما صدر عن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس ثم زيارته لميناء الزويتينة إضافة لعدد من النخبة والأكاديميين المعتدلين.

نُفذت عملية البرق الخاطف في سياق جهود متسارعة عن وساطة إيطاليا أميركية تهدف إلى دمج حفتر   في العملية السياسية المؤسسة على اتفاق الصخيرات وباركتها تصريحات لمسؤولي دول عديدة كما جاء على لسان وزير خارجية تونس بأن حفتر   جزء من حل الأزمة في ليبيا وغيره من المسؤولين الأوروبيين. وهو أمر أشار إليه كوبلر حتى بعد سيطرة الجيش الذي يقوده حفتر على الهلال النفطي عندما طالب كل القوات المسلحة بالتوحد في جيش واحد يحمي ليبيا وسبق ذلك تصريحات عديدة له خلال شهري أغسطس وسبتمبر الجاري تضمنت الفحوى نفسها.

من الممكن أن تشكل دعوة ال سراج إلى التحاور وتصريحات كوبلر عن جيش موحد والمبادرة الأميركية الإيطالية لترتيب وجود حفتر   في العملية السياسية تجاوزا واقعيا للخلاف القانوني الذي يتمسك به بعض الموقعين على اتفاق الصخيرات بحرفية النصوص وظاهرها التي تشير  إلى أن تعديل الاتفاق يكون فقط عبر جلسة مشتركة للبرلمان ومجلس الدولة الذي لم ينعقد وفق بعض موقعي الاتفاق بشكل قانوني أو "دستوري" حتى الآن.

وهناك احتمال وإن كان يبدو  بعيدا نسبيا بأن تتحرك مصراتة لمواجهة حفتر   في الهلال النفطي غير أن الأمر تحفه صعوبات واقعية أساسها عدم وجود تأييد لحليفها جضران في مناطق امتداده الاجتماعي بعد تصريحات الشيخ صالح لطيوش المغربي المؤيدة لعملية البرق الخاطف، وكذلك للخلاف داخل مصراتة بين سياسييها وعسكرييها في الموقف من حفتر ، إلى جانب انشغال قوة المدينة بالمعركة ضد تنظيم الدولة في سرت التي لم تحسم نهائيا، وتوجس مصراتة من تحركات داخل طرابلس تسعى لعدم عودة نفوذها خاصة العسكري والأمني داخل العاصمة طرابلس كما كان بعد عملية فجر ليبيا ، وإبان حكومة خليفة الغويل ورئاسة نوري بوسهمين للمؤتمر الوطني العام، يضاف إلى ذلك العلاقات المتوترة مع مناطق عدة تجاور مصراتة لأسباب تتعلق بالحرب في فبراير وبعدها.

القوى الغربية لا يبدو  أنها ستتسرع في مواجهة حفتر الذي أعلن منذ انطلاق عملية الكرامة بأنه يحارب التنظيمات المتشددة والمتطرفة في ليبيا مثل تنظيم الدولة والقاعدة وأنصار الشريعة وهذا يمثل تقاطع مصالح وأولوية مشتركة بينه وبين الغرب بل حتى روسيا التي تنافس الغرب في حرب باردة جديدة.

وهكذا ستعيد نتائج دخول الجيش التابع للبرلمان إلى الهلال النفطي وإعلان سيطرته على الموانئ والمنطقة الممتدة من الزويتينة وحتى السدرة مرورا بالبريقة وراس لانوف المبادرة للبرلمان وحكومته المؤقتة والجيش التابع له فبعد عملية البرق الخاطف يكون البرلمان يسيطر على حقول الإنتاج وموانئ التصدير وبتأييد المؤسسة النفطية في طرابلس لما حدث يمكنه نظريا (تواجهه صعوبات إدارية تتعلق بالدورة المالية لعائدات النفط) بدء ضخ النفط إلى موانئ التصدير.

يضاف لما سبق التغيرات المحتملة على خارطة التحالفات السياسية في ليبيا فلن ينتهي سبتمبر الجاري حتى يعاد تشكيل العلاقات السياسية والعسكرية إما لتوسيع نفوذ قائد عملية الكرامة على أساس قبولها في العملية السياسية المؤسسة على اتفاق الصخيرات أو للدخول في مواجهة واسعة معه ستكون منطقة الهلال النفطي الممتدة من الحقول إلى الموانئ مسرحها الأول ثم قد تنتقل إلى العاصمة طرابلس .

لتحميل وقراءة الورقة كاملة اضغط الرابط التالي: 

 

September 19, 2016

  



كلمات دلالية   :       ليبيا     الهلال النفطي     الأزمة الليبية