تقدير موقف

الدور الروسي في ليبيا.. سياق للحرب الباردة الجديدة

الدور الروسي في ليبيا كان حاضرا في مناقشات القوى الكبرى بشأن مستقبل ليبيا سنة 1949 ومنذ ذلك الحين والدور الروسي يظهر مقابلا للدور الغربي الذي قادته بريطانيا قبيل منح ليبيا استقلالها ثم برز أكثر مع استيلاء العقيد القذافي على مقاليد الحكم في ليبيا وانحيازه للمعسكر الاشتراكي في الحرب الباردة بين حلفي وارسو والناتو.

مثلت فبراير 2011 بالنسبة للروس عملية قضاء على حليف تاريخي لها في شمال إفريقيا جمعته مع روسيا مصالح عسكرية فهي المصدر الرئيسي للسلاح الليبي، واقتصادية تتعلق بالغاز المسال إلى جانب مشاريع كان الجانبان يناقشان تنفيذها في ليبيا، لأجل ذلك لم تتوان روسيا بالاعتراض على دور الغرب من خلال الناتو في إسقاط نظام القذافي الحليف القديم. ومثلت المواقف الروسية تجاه ليبيا منذ ذلك الحين انسجاما مع مواقفها في منطقة الشرق الأوسط خاصة في سوريا التي تشكل مع ليبيا مناطق نفوذ تاريخي لروسيا مقابل النفوذ الغربي بقيادة الولايات المتحدة المتنامي في تلك المناطق ما قد يشير إلى بداية حرب باردة جديدة بينها وبين الغرب قد تكون ليبيا إحدى ميادينه الملتهبة مثلما هو الوضع في سوريا وأوكرانيا.

 يبدو أن روسيا تنطلق في دورها بالأزمة الليبية من خلال قرارات مجلس الأمن ثم الاتفاق السياسي الموقع عليه في الصخيرات مع اعتراف بموقع القائد العام للجيش التابع لمجلس النواب خليفة حفتر لأنه معين من جهة معترف بها من المجتمع الدولي. وظهر اعتماد روسيا في النظر للأزمة الليبية على قرارات مجلس الأمن واتفاق الصخيرات في تصريحات المسؤولين الروس من الرئيس فلاديمير بوتين مرورا بوزير الخارجية سيرغي لافروف ونائبه ميخائيل بوغدانوف وممثل بوتين للشرق الأوسط جينادي غاتيلوف إلى السفير الروسي إلى ليبيا المقيم في تونس إيفان مولوتكوف، وهذه الاعتمادية منحت لروسيا هوامش تتحرك فيها دبلوماسيتها ضد الأعمال الغربية مثل فرض العقوبات من جهة الاتحاد الأوروبي ضد شخصيات سياسية بينهم رئيس مجلس النواب عقيلة صالح الذي تربطه بروسيا علاقات مميزة، ونقدها لتوسيع عملية صوفيا الأوروبية قبالة السواحل الليبية.

وهذا مكن روسيا من رفض أي طلبات تتعلق برفع الحظر عن توريد السلاح إلى ليبيا متحججة باستمرار الانقسام في المؤسسات السياسية والعسكرية، وقد أظهر المسؤولون الروس تنديدا واسعا بالدعم اللوجستي كالتدريب والعسكري مثل الضربات الجوية التي توجهها قيادة الأفريكوم الأميركية ضد مواقع لتنظيم الدولة في سرت، وتبرر روسيا نقدها للدعم اللوجستي الغربي بأنه يقدم لقوات غير حكومية ولا تخضع لسلطان مؤسسة عسكرية محترفة مما يعمق الأزمة بين الليبيين وهذا يعاكس بنظرها اتفاق الصخيرات الذي جاء لينهي الانقسام بين الليبيين.

وأما الغارات الأميركية فتراها روسيا غير قانونية لأنها لم تستند إلى قرار صادر من مجلس الأمن الذي تشغل روسيا عضوية دائمة فيه تمنحها حق الفيتو، لكنها في مقابل رفض مواقف وأفعال الغرب تبدي في مناسبات عديدة استعدادها لتقديم السلاح والتدريب للجيش الليبي بشرط أن يكون جيشا موحدا في حال الانتهاء من الانقسام السياسي، ويمكن تأويل موقفها بما يخدم الجيش الذي يقوده حفتر .

وتستند روسيا على اتفاق الصخيرات لإشراك حفتر في العملية السياسية من خلال إصرارها على توسيع المشاركين في حكومة الوفاق الوطني المنبثقة عن حوار الصخيرات لتشمل قائد الجيش التابع للبرلمان، وهذا الموقف يتناغم حاليا مع مواقف أوروبية بشكل واضح مثلتها إيطاليا وفرنسا إلى جانب المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر والولايات المتحدة بحسب تصريحات إيطالية. لكن قد يفهم من تحولات الموقف الغربي نحو حفتر في سياق الحرب الباردة بين روسيا والغرب، فالأخير لا يريد لروسيا أن تتفرد بدعمها لدور قادم ل حفتر .

لكن هذا الموقف الروسي المتحفظ من التدخل في ليبيا قد يتغير في حال أصر الغرب على استمرار توسيع وجوده في ليبيا وعدم نجاعة استمرار روسيا في الاعتماد على قرارات مجلس الأمن واتفاق الصخيرات، وهذا أمر سلف حدوثه في سوريا بعد فشل المفاوضات الروسية الغربية بشأن سوريا فانطلقت روسيا في دعم النظام السوري الحليف التاريخي، وهذا الاحتمال يترتب عليه توسيع الحرب بالوكالة في ليبيا بدخول قوى كبرى للمواجهات بينها عن طريق الليبيين.

وهكذا تسعى روسيا لحماية نفوذها التاريخي في ليبيا، وربما هذا يفسر جانبا من المفاوضات الروسية مع مصر بخصوص تأجير قاعدة جوية في منطقة سيدي براني القريبة من حدود ليبيا، بل ربما تفكر روسيا في إيجاد موطئ قدم في ليبيا لتصبح على مقربة من أوروبا خصمها العتيد مع الولايات المتحدة.

لتحميل وقراءة الورقة كاملة اضغط الرابط التالي:

 

October 14, 2016