التقارير

دولة الحرب في ليبيا.. ما هي وكيف تُفكَّك؟

September 09, 2016

إسماعيل رشاد

تلقيت اتصالا من شاب قريب لأحد معارفي لم يبلغ العشرين أصيب في كتفه في أتون الحرب الدائرة رحاها في ليبيا، وأجريت له عمليتان جراحيتان يشكو حاله وعدم وصول أي منحة له من الجهة التي قاتل تحت لوائها وتهديد المستشفى المعالج له بوقف العلاج الطبيعي إن لم يدفع تكاليفه.

هذه ليست الحالة الوحيدة التي يمكن أن تواجهك من شباب ألقوا بأنفسهم في صراع لا يعرفون كنهه أو غاياته حتى لو بدا لهم أن هدف الحرب واضح كما يقدمه لهم أمراء الحرب في ليبيا بجميع الجهات، لأن الحرب في ليبيا مع استمرارها باتت دولة توازي الدولة الطبيعية، ولها مؤسسات يعمل فيها عشرات الآلاف ليس كمقاتلين فقط بل بمجالات عديدة.

وتحولت الحرب في ليبيا إلى صناعة يديرها منتفعون، وأضحت تجارة يكسب من استمرارها أمراء حرب تعرفوا على مصادر تمويل الحرب الداخلية والخارجية، ووسعوا من مسارات الاقتتال لأنهم باتوا ربما دون إدراك وكلاء للنزاعات المحلية والإقليمية. والآن نشهد وكلاء للحرب بين القوى الكبرى ستظهر تفاصيلها السياسية والميدانية في المستقبل القريب.

للتأكيد أمام القارئ وحتى أولئك المنخرطين في دولة الحرب فإن المقال لا يقصد التعميم في النتائج أو النظر في نوايا أي فرد أو طرف، بل يحاول بعيدا عما سبق تفكيك آلة الحرب في ليبيا للوصول إلى معرفة مبررات الحرب العملياتية بعيدا عن كثير مما يطرحه أمراء الحرب كشعارات تمثل بالنسبة لهم أسباب الحرب.

 والغاية الأسمى للمقال تكمن في محاولة تحفيز وعي أمراء دولة الحرب قبل غيرهم للتداعيات الملموسة للحرب على حياة الناس العاديين وتأثيرها الواقعي على الدولة الطبيعية ومن ثم تنبيههم على خطر استمرارهم في تحريك دواليب الحرب التي ستصيب نتائجها المدمرة الجميع بمن فيهم أمراءها وتجارها إن لم يصبحوا الأكثر مسؤولية من الناحية القانونية والأخلاقية على ما تخلفه الحرب من نتائج مدمرة.

 وبتواصل الحرب وعجز مؤسسات الدولة الطبيعية عن إدارة حياة الناس من خلال استمرارها في تقديم الخدمات الضرورية؛ بسبب أزمة النفط ذات الشقين الأول لتوقف تصديره على خلفية الصراع بشأنه والثاني لانخفاض سعره العالمي إلى مستوى لم يشهده منذ أكثر من عقد.

وزاد من حدة الآزمة الاقتصادية والمالية الانقسام الكبير في مؤسسات الدولة الطبيعية بعد أن انقسمت قبلها مؤسسات السلطة، واستمرار الصراع للهيمنة عليها، فبات في ليبيا اليوم مؤسسات مالية بما فيها المصرف المركزي، واقتصادية من ضمنها المؤسسة الوطنية للنفط، واجتماعية ودينية كدار الإفتاء منقسمة، وكلها تبرر الانقسام وتدعو إلى الحرب وتموله ماليا ودينيا وفكريا.

وأدت الأزمة الاقتصادية والسياسية للدولة الطبيعية إلى ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب الليبيين التي قاربت من نسبة 30% بحسب تقارير محلية يضاف إليها بطالة مقننة في الكادر الوظيفي المتضخم في مؤسسات الدولة الذي أرهق بدوره مالية الدولة في سعيها للوفاء بالتزاماتها تجاه أكثر من مليون موظف تدفع مرتباتهم خزينة الدولة الخاوية، كما فقدت المرتبات نفسها نسبة كبيرة من قيمتها بسبب التضخم في الأسعار لارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازي، وأزمة الثقة في المصارف الليبية التي انتهت إلى عجز كبير في السيولة وارتفاع كبير في أسعار السلع مع ندرة عديدها.

في ظل هذه الأزمة التي لا يتوقع أن تعالج قريبا لأسباب تتعلق بعجز الطبقة السياسية المنقسمة على اتخاذ قرارات صارمة في أبواب الصرف الحكومي وكذلك منع الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة الطبيعة فضلا عن اتساع نطاق الصراع على النفط المورد الأهم لمالية الدولة الطبيعية ووصول الانقسام في هياكل السلطة والدولة إلى حد يخشى فيه من انهيار الاثنين معا فضلا عن تنامي الحروب بالوكالة في ليبيا بين القوى الإقليمية والدولية التي باتت المغذي الأساسي لدولة الحرب وصناعتها في ليبيا.

في ظل هذه الأزمة المركبة أوجدت دولة الحرب لنفسها اقتصادا يتمثل في لوجستيات الحرب بما فيها الدعم المعنوي الديني والإعلامي والثقافي، وولد هذا الاقتصاد الجديد فرصا غير طبيعية للعيش وسبيلا للارتزاق لمن عجزت الدولة الطبيعية عن الإيفاء بالتزاماتها المالية والأخلاقية تجاههم، بل باتت دولة الحرب من أهم السبل لتحقيق النفوذ الاجتماعي، والصعود السياسي والديني خاصة لأمراء الحرب والنخبة المؤيدة لهم.

اليوم تعج مستشفيات ومصحات تونس ومصر والأردن وتركيا وعشرات الدول الأخرى بآلاف جرحى الحرب المستعرة ومن بينهم المئات بترت أطرافهم أو أصيبوا بشلل تام، ناهيك عن آلاف قضوا نحبهم في حرب تدفع الكثير منهم للمشاركة فيها؛ الحاجة إلى المال وتوفير أسباب العيش لهم ولأسرهم سواء أكانوا أبناء أو آباء لدى مختلف أطراف الحرب.

 وقد تضمنت اعترافات عديد الشباب الذين وقعوا أسرى عند أطراف الحرب على أنهم كانوا يوعدون بالرواتب والمزايا وسط عجز الدولة الطبيعية عن استيعاب هؤلاء الشباب وطموحاتهم واحتياجاتهم هم وأهليهم، كما بات معروفا أن التنظيمات المسلحة الدينية والجهوية هي كذلك تدفع مرتبات وتمنح مزايا لمقاتليها.

ومما يحدث عادة في دولة الحرب أن يعيد أمراؤها ولجانهم النظر في أوضاع الجرحى من المقاتلين الأفراد بحيث يكون التخلي ماليا عن العاجزين تماما عن العودة للمشاركة في الحرب؛ لأن العقد غير المكتوب معهم هو منح المال والمزايا مشروط بقدرتهم على القتال فإن عَجزوا تُركوا، وهذا مبرر عند أمراء دولة الحرب لأن دولتهم ليست ذات طبيعة بنائية تلتزم قانونا وأخلاقا أمام الناس العاديين؛ بل غايتها هي استمرار الحرب والسيطرة ولذا لا يوجد فيها مكان للعجزة والضعاف إلا بالقدر الذي يخدم غايات الحرب نفسها مثل عائلات المقاتلين الفعليين.

وتضطر مجموعات من النازحين الهاربين من الحرب إلى العودة للمشاركة في الحرب لعجزهم في مناطق النزوح عن توفير ضرورات الحياة لأهليهم ومن وراءهم، وعجز مؤسسات الدولة الطبيعية في ليبيا قبلهم عن توفيرها بسبب التردي الحاصل في أوضاع الدولة الاقتصادية والمالية وكذلك لسيطرة اللجان والهيئات التابعة لأمراء الحرب على الأموال الخاصة بالنازحين وهو سبب كاف يدعو الدولة الطبيعية إلى التعامل مع المؤسسات الرسمية في هياكلها مثل الضمان الاجتماعي وغيرها من الهيئات المعنية التي تخضع لرقابة مالية وإدارية.

وقد تعرض عديد النازحين في مناطق نفوذ أمراء دولة الحرب إلى التهديد في حال وقفوا في وجه أمراء الحرب الذين يديرون دولة الحرب المتغولة على الدولة الطبيعية.

 ومؤخرا قررت مجموعات من النازحين في الداخل وحتى اللاجئين بالخارج العودة إلى مدنهم ومناطقهم هربا من أوضاع النزوح واللجوء التي تزداد صعوبة مع مرور الأيام دون أي رحمة من مؤسسات دولة الحرب.

مع طول أمد الحرب في ليبيا بات لأمرائها في مستوياتهم المختلفة السيطرة على أجزاء كبيرة من الموارد المالية والعلاقات الأمر الذي منحهم نفوذا واسعا على المقاتلين الأفراد والقادة الميدانيين غير المرتبطين بمصادر التمويل، والتيارات السياسية، وعديد الجماعات الاجتماعية والشخصيات العامة والدينية والمثقفين. ويمتلك هؤلاء الأمراء الآن واجهات دينية ومنابر ومؤسسات إعلامية ونخبة واسعة ومؤسسات إغاثية ولجان جرحى وأزمة يعمل فيها الكثير من الناس العاديين ويتلقى هؤلاء جميعا أسباب عيشهم من أولئك الأمراء.

وأصبحت مؤسسات السلطة في الدولة الطبيعية هي كذلك تخضع لشروطهم، وأحيانا لابتزازهم. وبات لهم سيطرة على مؤسسات الدولة التي تحولت إلى مؤسسات تدعم الحرب وأمراءها، وتجمع لهم المعلومات والأموال، وتدير حملات العلاقات العامة، وتطلق حملات التوجيه الإعلامي والديني بل وتجمع لهم المقاتلين.

كما استطاع أمراء الحرب أن يتمثلوا الصراعات الإقليمية في حربهم داخل ليبيا وهذا فتح لهم أبواب دعم مستمرة تعكس الصراع الإقليمي والدولي. وبات لبعضهم علاقات حرب مع أمراء حروب في دول أخرى. وأصبحت ليبيا بوجودهم سوقا إقليمية كبيرة لمستلزمات الحروب وفق تقارير دولية عديدة وكذلك بيانات دول الجوار بخصوص تهريب السلاح من ليبيا. ونشأت فيها طرق لتهريب المقاتلين الأجانب أو حتى الاستعانة بهم كم تشير عديد الشواهد ولدى كل أطراف الحرب غالبا.

حتى الخطاب الإعلامي والديني والمفاهيم التي تبث نحو الناس العاديين تصنعها آلة حرب دينية وإعلامية ونخبة لا تنتمي للدولة الطبيعية وإن كانت قابعة في مؤسساتها فهي تتبع أمراء الحرب وأحلافهم في الداخل وشبكات علاقاتهم في الخارج مما يعقد من مهمة تيار الدولة الطبيعية في استعادة زمام مبادرتها داخل مؤسساتها المسلوبة لصالح دولة الحرب. وهذا يعني ضرورة إلزام كل المؤسسات الثقافية والدينية والإعلامية بقواعد أخلاقية صارمة يدعمها القانون تراقب هذه القواعد الخطابات الصادرة عن تلك المؤسسات دون أن تمنح أي منها ميزة استثنائية خاصة المؤسسات والشخصيات الدينية من الرقابة الأخلاقية التي تملك سلطة المحاسبة القانونية للمخالفين.

وأما إنهاء الحرب في ليبيا فيعني ابتداء ضرورة تفكيك دولتها المتغولة على الدولة الطبيعية؛ وذلك بأن تعود الأخيرة قادرة على تحمل مسؤولياتها أمام الشعب حتى أولئك المنخرطين في الحروب الممتدة فوق جغرافيا ليبيا لأسباب معيشية ونسبتهم ليست منخفضة.

ومن مسؤوليات وأولويات الدولة الطبيعية إعادة سيطرتها على مورد الدولة الوحيد: النفط، والتخطيط بعوائده لإحداث تنمية مكانية تراقبها أجهزة الدولة الطبيعية وتستعين بالخبرة الإنسانية الواسعة في هذا المجال.

وضروري للدولة الطبيعية أن تعالج الأزمة الاقتصادية والمالية بتنويع روافد الحياة الاقتصادية من خلال وضع برنامج تنمية محلية استيعابية تشرف على تنفيذه المناطق الإدارية المحلية التي تمثل جزء مهما من هيكل الدولة الطبيعية. وعدم منح الفرصة لنشأة كيانات موازية تحت دعاوى إعادة الإعمار، أو إدماج المقاتلين. بل لابد أن تدار كل عمليات تفكيك دولة الحرب من مؤسسات وأجهزة الدولة الطبيعية التي تخضع إلى رقابة المؤسسات المختصة مثل ديوان المحاسبة والرقابة الإدارية. والأهم هو أن تعالج الدولة الطبيعية البطالة المعلنة والمقننة من خلال برامج التنمية المحلية وعدم تأسيس جديد للاقتصاد الريعي الذي يحول الشعب إلى موظفين غير فاعلين في جهاز مترهل للدولة.

يبقى مهما أن تدرك الدولة الطبيعية أن إعادة استيعاب المقاتلين بعيدا عن دولة الحرب وأمرائها يعني النظر في أوضاعهم هم ومن يتحملون مسؤوليته من الأهل والأقارب، وكذلك استيعاب النخبة التي باتت ترتزق بدعمها الثقافي والاجتماعي والديني من أمراء الحرب.

باختصار لابد أن تعود الثقة في الدولة الطبيعية بأنها تستطيع أن ترعى احتياجات الناس، وتوفر لهم فرص عمل ثابتة تؤمنهم معيشيا، وتبدأ في توصيل الخدمات الأساسية إلى الناس العاديين وبينهم المقاتلين، وتحمي أمنهم الشخصي والجماعي. هذا الأمر يقود المرتزقين من دولة الحرب إلى التخلي عنها واللجوء إلى الدولة الطبيعية.

هذه الجهود لن تنجح دون تجفيف منابع الدعم الداخلي والخارجي عن جميع أمراء الحرب تحت أي مسمى وعنوان وشرعية. ولن يتم ذلك إلا بتمكن تيار الدولة الطبيعية من إعادة بناء وعي الناس بأهمية تفكيك دولة الحرب، ووصول تيار الدولة الطبيعية إلى إدارة مؤسسات السلطة والدولة معا ومعهم رؤية تستوعب الأكثرية، وتمنح الفرص للجميع للتخلي عن المساهمة في الحروب؛ فتعالج مشكلة البطالة، وتعيد تنظيم موارد الدولة بعيدا عن النفقات الصورية التي تضر بالبنية المالية للدولة.

كذاك تطلق دبلوماسية تحاور القوى الإقليمية والدولية، لكن بحزم وإصرار على تفكيك شبكات الحرب بالوكالة في ليبيا. وهذا يتطلب إلى جانب إبرام مصالحة وطنية أساسها التفاهم على الاختلافات، ووضع رؤية لحاضر ومستقبل ليبيا، والعفو العام، يتطلب كذلك إصدار تشريعات تجرم الحرب بالوكالة للخارج أو الاحتكام للسلاح في النزاعات ذات الطبيعة المحلية. مما يعني أن المحاكم الدولية والمحلية ستكون جزء من أدوات الدولة الطبيعية لمواجهة الأطراف الخارجية والمحلية في حال تعنتها.

وعلى الدولة الطبيعية أن تلزم بجهودها الدبلوماسية في دفع المؤسسات الدولية للضغط على الدول التي دعمت الحروب بالوكالة في ليبيا أو النزاع الداخلي لأجل إعادة توجيه الدعم الذي كان يوجه للحرب لإعادة إعمار ليبيا وتنشيط اقتصادها من خلال إصدار قرارات أممية تلزم هذه الدول بتصحيح أخطائها إبان الحرب الأهلية في ليبيا وكذلك بالاتفاقات الثنائية بين دولة ليبيا الطبيعية وتلك الدول.

في ظني إن المعركة في ليبيا اليوم بين دولتين، دولة الحرب المسيطرة على كل مناحي الحياة التي باتت المقصد شبه الوحيد للناس العاديين للحصول على معاشهم في مستويات مختلفة من العمل لصالحها وليس فقط القتال، ودولة طبيعية أضحت هي الحلقة الأضعف بسبب الانقسام السياسي والاجتماعي وجمود الاقتصاد لحد يشارف معه على الانهيار كما تقول تقارير الخبراء مما جعلها عاجزة أن تقوم بوظائفها لصالح الناس العاديين بل وأصبحت خاضعة لدولة الحرب وأمرائها.

لتحميل وقراءة المقال كاملاً اضغط الرابط التالي: