التقارير

الإشكاليات التي تواجه عودة النازحين إلى مناطقهم وسبل حلها

February 21, 2017

أ. خالد عاشور عبد السلام المركز الوطني لدعم القرار

قدمت هذه الورقة في ندوة : "النازحون في ليبيا... تحديات وحلول" 4 يناير 2017

مقدمة

تعد ليبيا منذ سنوات طويلة منطقة جذب لسكان الدول الست المحيطة بها وكذلك دول الصحراء الأفريقية والدول الآسيوية وكل الباحثين عن العيش، بعض هؤلاء استخدموا كل الوسائل من النزوح الجماعي إلى اختراق نسيج المجتمع الليبي على أنهم من أصول ليبية وبترتيب من أشخاص ليبيين، سواء لإكثار أعداد قبائلهم وتقوية نفوذها أو لإثبات الموالاة والمبادرة لتطبيق ما يطرح من تطلعات، والضحية في ذلك هو الشعب الليبي، بسبب هشاشة الإجراءات التي تكتفي بمجرد شهادة شهود أو تشابه في الاسم ليصبح الشخص مواطنا إلى جانب فساد الإدارة وعدم السيطرة على القيودات. 
 
وما تمر به ليبيا اليوم مع تصرفات بعض الليبيين الذين لا يملكون بعد نظر سياسي للأخطار التي تواجه بلادهم وتهدد نسيجهم الداخلي وتهدد الهوية والديموغرافية الليبية يزيد من تثبت هذه الحقائق الخطيرة التي تأتينا من جيوش العمالة العربية والأجنبية الموجودة في ليبيا أو التي ما زالت لها الرغبة وتحاول بكل الطرق كي تأتي إلى ليبيا. 
 
ونرى تهــاوي الهوية الليبية في أمثلة عديدة وكثيرة لا سيما موضوعنا الذي نحن بصدده وهو التهجير والنزوح لليبيين في بعض الأحياء والمناطق والمدن الليبية نتيجة للأوضاع والصراعات الراهنة، كذلك عدم قدرة الدولة الليبية على تشريع وإصدار قوانين ونصوص ملزمة تحفظ الهوية الليبية ووضع ضوابط لضمان الحقوق والحريات ووفق ضوابط صارمة وقانونية تخدم مصالح البلاد والعباد وتحافظ على الأمن الديموغرافي والأمن القومي الليبي. 

 

تحديات سكانية
 
يتوقع أن يبلغ عدد سكان العالم عام 2025 نحو ثمانية مليارات نسمة وعدد سكان المنطقة نحو نصف مليار نسمة، أي أن واحدا تقريبا من كل 17 شخصا في العالم سيكون عربيا، وسيحتل المصريون الذين سوف يبلغ عددهم آنذاك 118) مليونا) المرتبة الأولى في العالم العربي، بينما سيحتل السودانيون الذين سيزيد عددهم على 60) مليونا) المرتبة الثانية، وتأتي الجزائر (51 مليونا) في المرتبة الثالثة وبعدها المغرب (47 مليونا) في المرتبة الرابعة، والنيجر (23 مليون) في المرتبة الخامسة وتونس (12 مليونا) في المرتبة السادسة،  في حين تأتي ليبيا في المرتبة السابعة (7.250 ملايين)، وإذا أضفنا أن عدد سكان تشاد يبلغ نحو 9 ملايين حسب آخر إحصاء عام 1982 وأن عدد سكان النيجر حسب إحصاء عام 2005 قدر بحوالي 11 مليون، فإنه يمكننا الوقوف على حجم التحدي السكاني الذي يواجه ليبيا ودورها الإقليمي في المنطقة.
 
إن ليبيا هي الدولة الأصغر بين دول الجوار من الناحية السكانية، ويزداد هذا التحدي إذا ما عرفنا أن مساحة ليبيا هي الأكبر بعد السودان والجزائر، وبكثافة سكانية تقدر بحوالي 2.3 كم²، ويتضاعف هذا التحدي في ضوء الأوضاع السياسية والاقتصادية والمعيشية التي تعصف بدول الجوار، ويكفي أن نشير هنا إلي أن حدود ليبيا السياسية والجغرافية تتماس مع أفقر دولة في العالم، حسب تقارير التنمية البشرية، وهي النيجر، كما أن معدلات البطالة مرتفعة في دول الجوار الجغرافي  (مصر 11 %، تونس 13%، الجزائر 15% في العام 2006 م) وهو الأمر الذي يهدد الأمن الوطني الليبي إذ تبدو ليبيا منطقة جذب شديد. (1)
 
الإحصاءات المفقودة والدراسات
 
تعد الإحصاءات والبيانات والمعلومات العنصر الأساسي في أي تخطيط تنموي، ودون توفرها فإن جهود الدولة لتحقيق التنمية المستقبلية ورفاهية المواطنين لا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع. 
 
ومن الحقـائق الهامة في العلوم الإنسانية أن السكان هم المحـور الرئيسي الذي تدور حوله وتنبع منه كثير من الدراسـات في شتى المجـالات، ولا جدال في أن عالم اليوم يعيش مرحلة يتزايد فيها السكــان بشكل خطير، فعدد سكان العالــم يزيد حاليا على ستة مليارات نسمة وهم في تزايد مستمر، ومن هنا تصبح دراسة السكان ذات أهمية قصوى، كما أن معرفة الحقائق السكانية تعد أساسا هاما لفهم كثير من المتغيرات الدولية.  
 
جغرافية السكان لا تستطيــع أن تتغافل دور عن الديموغرافية، لأن العلاقة بينهم متبادلة ونافعة، وتقوم الطرق الرياضــية والإحصائية بدور الوسيــط بينهما، ويدرك الجغرافيون مدى الأهمية والعلاقة القائمة بين البحث الديموغرافى والجغرافي، وقد ظــهر هذا الاتجاه جليا في السنوات الأخيرة عندما بدأ الجغرافي يوسع رؤيته للعلاقات المختلفة بحثا عن إجابات لحركة السكان داخل الإقليم وعوامل هذه الحركة معتمدا على التحليل الرقمي كأساس وقاعدة.
 
تعد دراسة الهجرة السكانية من أبرز ملامح الارتباط بين العلمين (الديموغرافيا والجغـــرافيا)؛ ذلك لأن الهجـرة ظاهرة ديموغرافية تتحكم فيها مجموعة من العوامل التى تتطلب في تحليلها أساسا إحصائيا وفى تعليلها أساسا جغـرافيا تفسر من خلاله أسباب الوفود ودوافع النزوح.
 
وعلى ذلك، فإن مهمة رصد ما يعتمل في راهن مجتمعنا ليس باليسير الذي يمكّن من القطع بصحة ما خلصنا إليه من استقراءات، فمن جهة تعد بعض القضايا التي ننشغل بها حمالة لأكثر من وجه، ما يعني أنه ليس هناك إجماع بشأنها، ومن جهة أخرى فإن البيانات التي يفترض أن نركن إليها في تبرير مزاعمنا ليست متوفرة دائما، وإذا توفرت قد لا تكون حديثة، وإذا توفرت وكانت حديثة قد لا تكون صحيحة، وإذا توفرت وكانت حديثة وصحيحة، قد تعوزها الدقة.
 
وبوجه أعم فإنه من ضمن المشاكل التي نعاني منها في إدارة شؤون الدولة لا يتأسس دوما على قواعد بيانات حديثة وصحيحة، كما أن قيمة الشفافية، التي تضمن دقة هذه البيانات ليست مكرسة على النحو الذي يجب. 
غير أن ما لا يُدرك كله، لا يُترك جله. ولذا، فإنه لم يكن أمامنا سوى أن نبذل من الجهد ما يكفي للتقليل من تأثير هذه الظروف غير المواتية للرصد الموضوعي، آملين أن تكون هذه الخطوة التي نخلص إليها خطوة أولى على الطريق الصحيح في سبيل الوصول إلى حلول ناجعة .(2)
 
المشهد الليبي:
 
إن شيوع أية نزعة سلوكية سلبية رد فعل لاختلالات سوف تختفي باختفائها، قد يكون بمقدور تأمين المصالح الاقتصادية والتمتع بحقوق المواطنة تغيير الأنماط السلوكية المشتبه في تبنيها  لثقافة النهوض والتقدم، ولذا فإن إنتاج ثقافة بديلة لا يتحقق إلا بخلق مناخ اقتصادي وحقوقي وقيمي تتناغم فيه حوافز المصالح الفردية مع أهداف الصالح العام، وبالرهان على العلم نهجا أساسيا في التعامل مع ما نلقى من صعوبات ونواجه من تحديات، وبتبني أساليب تنشئة يقوم فيها التفكر الناقد بدور فاعل، بما يتضمنه هذا الضرب من التفكير من تبن لأساليب العلم في التعامل مع الصعوبات والتحديات.
 
وفي سياق تشخيص وتحليل ركائز منظومة القيم التي تؤسس للفعل البشري في بلادنا، ثمة حاجة إلى التعرّف على النزوعات الاجتماعيةالشائعة التي يسمح بوصفها بالظواهر ويجعلها مؤثرة في مصائر الخطط الإستراتيجية المؤسسة على رؤى استشرافية. 
 
وفي معرض رصد بعض من هذه النزوعات، نشير بداية إلى أن الواعز الديني يحظى باعتبار خاص عند المواطن الليبي، بينما تتسم مشاعره الدينية بقدر مناسب من الوسطية والاعتدال، غير أن هذا الإيمان القلبي لا يترجم في كثير من الأحيان إلى ضمير شخصي يمارس سطوته على المعاملات اليومية، وإن ظل قابلا من حيث المبدأ لأن يستثمر في حض الليبيين ودفعهم إلى الانشغال بالصالح العام، طالما جرى إعمال تنشئة دينية وأخلاقية تؤكد قيم العدل والتكافل والتراحم المتأصلة اجتماعيا. 
تُستشعر الآن أكثر من أي وقت مضى الحاجة إلى استثمار الباعث الديني من حقيقة أن مستقبل البلاد بأسرها قد أضحى وقفا على مصالحة وطنية لا تمتلك في مجتمعنا فرصة حقيقية في غياب توكيد تعاليم أقرها الدين الإسلامي الحنيف، تعظ بالعفو وكظم الغي، وتدعو إلى التصارح والتصالح وتوصي بالصفح والتسامح.
 
ويحيل هذا إلى ظاهرة استيفاء الحق بالذات التي تنص كل الشرائع على تجريمها، ففي هذا المسلك، الذي شاع مؤخرا بسبب انتشار السلاح، تجاهل صريح لحقيقة أن استرداد الحقوق بقوة السلاح لا يقل جرما عن سلبها من أصحابها، وأن مآله أن يشيع الفوضى ويفقد الدولة ما تبقى لها من هيبة. 
 
مشاعر الإحساس بالأمن، بأبعاده الاجتماعية والسياسية والوظيفية، ليست قوية بما يكفي قبل الثورة بسبب أساليب النظام السابق القمعية وحراكه الارتجالي، وبعد الثورة بسبب الانفلات الأمني وغياب مؤسسات الدولة صار هناك عوز في الشعور بالأمن الإنساني يصل عند البعض حدا يجعله يفتقد معنى الحياة. 
 
ولأن من لا يجد معنى لحياته قد يلتمس معنى لموته، المعنوي أو الجسدي، قد تجد أحاسيس الإحباط ومشاعر القنوط، خصوصا في شريحة الشباب، سبلا في إشباعها عبر ممارسات هروبية تغييبية، تتراوح بين الانكفاء على الذات، وتعاطي المخدرات، وتبني أيديولوجيات العنف، والهجرة إلى خارج البلاد. (3)
 
من النازحون؟ وما النزوح؟
 
لتحميل وقراءة الورقة كاملة اضغط الرابط التالي: