التقارير

"ملخص توصيات الحلقة النقاشية: "المشاريع الصغرى ...الخيار الأفضل للاقتصاد الليبي

March 12, 2017

إعداد: محمد تنتوش الباحث بالمنظمة الليبية للسياسات و الإستراتيجيات

مقدمة :

زاد الاهتمام في الفترة الأخيرة، وخاصة في ظل الوضع الاقتصادي الراهن في ليبيا، بموضوع المشاريع الصغرى ومدى أهميتها للاقتصاد الليبي، وضرورة العمل على التخلي التدريجي عن الاعتماد على الدولة في بناء الاقتصاد المحلي، إذ أن هذا الاعتماد قد ثبت من خلال فترة الأزمة السياسية، ونتائجها الحالية على الاقتصاد الليبي، أنه في حالة فشل أجهزة الدولة تتوقف عجلة الاقتصاد بشكل كبير إلا فيما يتعلق ببعض المشاريع الخاصة الصغيرة التي استطاعت الصمود أمام الأوضاع الحالية.

 ولأهمية هذا الموضوع أصدرت المنظمة الليبية للسياسات والإستراتيجيات ورقة بعنوان "المشاريع الصغرى ..الخيار الأفضل للاقتصاد الليبي" للدكتور عبدالله شامية. ومن ثم أقامت المنظمة حلقة نقاشية حول موضوع الورقة ، بتاريخ 4 فبراير 2017 بمقر المنظمة ب طرابلس ، شارك فيها مجموعة من المختصين والمهتمين بمجالات المشاريع الصغرى وريادة الأعمال بهدف مناقشة ما جاء بالورقة وعدة قضايا أخرى ذات الصلة بموضوع المشاريع الصغرى بشكل عام.

        وتقدم هذه الورقة خلاصة لما تم طرحه  في حلقة النقاش من آراء وتعليقات، ولقد تم ترتيب النقاش بقدر الإمكان في سياق منظم يطرح الآراء والأفكار التي تناولتها حلقة النقاش بشكل مباشر دون الحاجة إلى سردها ملحقة بأسماء المتكلمين، وهذه طريقة السرد يمكن من خلالها تجاوز فكرة النقاش فقط من أجل النقاش وتختصرها في سياق علمي مبني على خبرة أكاديمية وتجربة ميدانية يحتوي على مجموعة من الأفكار التي من الممكن أن يستفيد منها صناع القرار والمهتمون بالجانب الاقتصادي، بشكل عام سواء كانوا أكاديميين أو أصحاب المشاريع الاقتصادية.

 

·       المشاريع الصغرى في الاقتصاد الليبي:

     تناولت الورقة في مجملها الحديث حول مفهوم المشاريع الصغرى وكيفية تحديد ما إذا كان المشروع صغيرا من عدمه، بالإضافة إلى ذكر أهمية هذا النوع من المشاريع وتجربة بعض الدول المتقدمة مع هذا النوع من المشاريع الإقتصادية والدور الذي لعبته في تنمية اقتصاديات تلك الدول.

وفي حين يرى البعض ممن لديهم تجربة ميدانية وواقعية في مجال المشاريع الإقتصادية أنه ليس من المهم معرفة ما إذا كان المشروع صغيرا من عدمه على قدر ما يهم الأثر والتأثير الذي ينتج عن هذا المشروع في الإقتصاد الليبي والقيمة المادية والمعنوية التي يحملها، لكن من جانب ونظرة أخرى تمثل بشكل أساسي وجهة نظر الخبراء والأكاديميين بالإضافة إلى القانونيين فإن تعريف المشروع الصغير مهم نظرا لما يرافقه من نصوص قانونية تنتج عنه سواء في اللوائح المنظمة للنشاط الإقتصادي أو فيما يتعلق باللوائح المنظمة للمؤسسات التي تسعى لتطوير المشروعات الصغرى أو تطوير الإقتصاد من خلال هذه المشروعات وما يترتب على هذا من إستحقاقات ومساعدة معنوية ومادية تقدمها هذه المؤسسات.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هناك تعريفا محدداً لمفهوم المشروع الصغير تضمنته اللوائح المنظمة للعمل التجاري والاقتصادي بالاقتصاد الليبي، إلا أن هذا التعريف  لم يخضع لأي عملية تجديد أو تطوير حتى بالرغم من تغير الظروف والمعطيات التي وضع فيها ذلك التعريف.

·       الواقع الحالي للمشاريع الصغرى في ليبيا، والعقبات التي تواجه إإنشاء المشاريع الصغرى:

      لقد ساهم المسار السياسي في ليبيا خلال الفترة من 1969 وحتى 2011، وما رافقه من إجراءات وتحولات اقتصادية، من خلال التوجه الاشتراكي للدولة، بشكل غير مدروس نتجت عنها مجموعة من التشريعات التي حال دون بناء قطاع خاص قوي يشكل فيه جانب المشروعات الصغرى قاعدة مهمة، وانعكست هذه التشريعات بدورها على تأميم الكثير من الشركات الخاصة والسيطرة عليها من قبل القطاع العام للدولة، ومن ثم توقفت هذه الشركات عن العمل فيما بعد.

الكثير من هذه التشريعات لا زال مستمرا حتى اليوم، ويسبب في بعض المشاكل ويعيق من التنمية الإقتصادية إلى حد ما، لكن في ذات الوقت لا تعد هذه التشريعات فقط هي ما يعيق إنشاء مشاريع صغرى أو من تنمية القطاع الخاص بشكل مباشر، إذ أن عقلية السوق الحالية تعتبر عائقا كبيرا في هذا الاتجاه أيضا.

ويمكننا القول وبشكل عام أن المشاريع الصغرى، أو المتناهية الصغر، والتي ظهرت في الفترة الأخيرة وخاصة بعد الإنقسام السياسي الذي بدأ منذ سنة 2014، تعتبر مشاريع مكافحة فقر وليست ذات أغراض تنموية بالدرجة الأولى أي أن الهدف منها لايتجاوز مرحلة توفير مصدر دخل للأشخاص والأسر التي أصبحت تعاني من أزمة السيولة والمشاكل المتعلقة بالمرتبات، مع التركيز هنا على أن الغالبية العظمى من الليبيين هم موظفون في القطاع العام بشكل يخالف ما هو عليه الكثير من دول العالم الأخرى لكن وفي ذات الوقت يملك الكثير من الموظفين في القطاع الخاص مشاريع إقتصادية خاصة بهم أو مصدرا دخل أخر فمن ناحية تمثل الوظيفة الحكومية أمنا من الناحيتين الإقتصادية في الحد الأدنى، وكذلك إجتماعيا مع التقدير الكبير الذي يحمله المجتمع لمن يملك وظيفة حكومية، لكنها في ذات الوقت لا تمثل سبيلا للإرتقاء في الجانب الإقتصادي دون أن ترافقها محاولات لبناء مشروع إقتصادي خاص يمكن الدخول فيه والمخاطرة دون الخوف من فقدان مصدر دخل، إذ أن أصحاب هذه المشاريع هم موظفون في القطاع الحكومي.

     ولكي لا يتسع بنا المقام هنا فإننا نلخص الفكرة في أن المشاريع الاقتصادية الصغرى، أو المتناهية الصغر، سواء تلك التي وجدت قبل الأزمة المالية ما بعد 2014، أو بعدها ليست مشاريع إستدامة، أي أن الهدف منها بشكل رئيس هو الرقي بصاحب المشروع بذاته وليس تطوير المشروع بشكل أكبر، وبالتالي الدخول في جانب توفير فرص العمل، وتنمية الاقتصاد المحلي، وحتى الدخول في عالم التبادل التجاري الداخلي والخارجي.

وتمثل عقلية السوق الحالية، القائمة بالاقتصاد الليبي، عائقا كبيرا لا يقل أهمية عن العوائق التي يسببها تخلف المنظومة التشريعية في الجانب الإقتصادي وعدم خضوعها للتبديل أو حتى التطوير.

سبل تطوير قطاع المشاريع الصغرى ، كيف يمكن للمنظمات أن تدعم بعضها البعض؟

      عادة ما يتحول الحديث حول تطوير أي من القطاعات إلى نقد للحكومة والأجهزة الرسمية بسبب ما تعاني منه هذه القطاعات من أزمات مختلفة، والحديث عن القطاع الإقتصادي عموما وجانب تطوير القطاع الخاص بما في ذلك المشاريع الصغرى ليس باستثناء عن هذا الأمر، وبمعنى آخر أنه عند طرح قضية تطوير القطاع الخاص وجانب المشروعات الصغرى أو متناهية الصغر  دائما ما يتم التطرق حول دور الدولة وأجهزتها المختلفة في هذا الجانب بما في ذلك منظومتها التشريعية، وغياب الخطط الإستراتيجية في تطوير القطاع الخاص، وعدم وجود نظام مصرفي يضمن حصول أصحاب الأفكار الإستثمارية على قروض أو مساعدات مباشرة لتنفيذ أفكارهم، ويزداد الحديث في هذا الجانب في الفترة الحالية مع المعاناة الكبيرة في الوضع الإقتصادي، وعدم توفر السيولة والشلل الكبير في أجهزة الدولة.

وعلى قدر ما يمثله دور الدولة وأجهزتها الحكومية في تسهيل الإستثمار وبناء قواعد صحيحة لنشأة قطاع خاص قوي يقلل العبئ الذي تعانيه أجهزة الدولة وقطاعاتها المختلفة من تكدس للموظفين دون أن تكون هناك حاجة لهم، من خلال توفير فرص للدخول في مجال القطاع الخاص و الإستثمار وما يوفرانه من فرص عمل خارج نطاق العمل الحكومي، الأمر الذي يستدعي وجود استراتيجية وطنية لدعم القطاع الخاص تتماشى مع الفكر الاقتصادي القائم في الدولة مدعوما بمنظومة تشريعية مناسبة.

     هناك جانبا آخر للقطاع الخاص بعيدا عن التهم التي تشير بها أصابع الإتهام حول بعض المشاريع و الدعم الذي تلقاه أصحابها سواء قبل سنة 2011 أو بعدها. ذلك الجانب المتعلق بقصص النجاح لبعض المشروعات التي نشأت واستمرت رغم كل ما ذكرناه من تقصير لأجهزة الدولة في تطوير المشروعات الصغرى والقطاع الخاص عموما، وهو ما سيدفعنا للحديث حول دور أصحاب المشاريع الإستثمارية الخاصة بمختلف أحجامها في دعم بعضها البعض، إذ أن هناك مشكلة رئيسية تتعلق بعدم وجود التكتلات أو النقابات الفاعلة التي تتعدى كونها وسيلة أخرى لحصول البعض على مرتبات ومزايا إلى أكثر من ذلك حيث أنها ينبغي أن تكون  جهات فاعلة ومؤثرة.

 

     إن وجود تكتلات فاعلة  في أشكال مختلفة ( أندية، إتحادات، نقابات، غرف، حاضنات ...إلخ )، مهما من نواحي عدة يتمثل أولها في دعم أصحاب الأفكار الريادية للمشاريع الإقتصادية الصغرى، أو أصحاب المشروعات التي أنشئت فعليا لكنها تعاني من عدد من المختقنات التي تعاني منها مثل هذه المشاريع في وقت مبكر من إنطلاقها، هذا الدعم لا يتعلق فقط بالدعم المادي المباشر بل وبشكل رئيسي يتمثل فيما يسميه البعض مشاركة المعرفة، أي مشاركة التجربة التي خاضتها الكثير من المشاريع الناجحة من خلال تحليل وكتابة تلك التجربة على غرار ما يحدث في الدول المتقدمة التي عادة ما يتجه أصحاب المشاريع الناجحة فيها إلى تحليل تجربتهم ومن ثم تحويلها إلى مجموعة من المفاهيم في مؤلفات تنشر ليستفيد منها الغير، أو تحويلها لمحاضرات وحتى في بعض الأحيان مناهج دراسية.

    إن تبني مثل هذه التكتلات  لأصحاب المشاريع مختلفة الحجم من القطاع الخاص ومن خلال المساعدة ونشر ومشاركة المعرفة من الممكن أن نقل مفاهيم وعقلية السوق إلى حالة متطورة بشكل أكبر تتجاوز مرحلة الإستفادة الشخصية من المشروع إلى مرحلة المشاريع المتطورة التي توفر فرص عمل للغير، وترفع من قدرة الإقتصاد المحلي، وتهدف إلى الوصول إلى مرحلة العلامة المسجلة عالميا، وهذا التأثير والأثر لمثل هذه التكتلاتت  من المرجح أن يتطور أكثر ليرتبط بمجالات أخرى مثل إنشاء مؤسسات تعليمية ترتبط مناهجها ومخرجاتها بتطوير سوق العمل أو نقابات عمالية قوية.

     إن من يشجع وجود مثل هذه التكتلات يطرح دائما السؤال المنطقي التالي:  "ماذا إذا لم تتطور الدولة أو لم تبادر في تطوير القطاع الخاص، ولم تخرج من مرحلة الإنقسام وشلل الأجهزة الحكومية؟ ،  وهو تساؤل مطلوب يضع أيضا المجتمع وأصحاب المشاريع المختلفة في الواجهة مع إمكانية تبنيها للحل، إذ أن مثل هذه التكتلات في دول عدة هي ما قادت هذه الدول إلى التغيير، أو بمعنى آخر أن تلك الدول اهتمت بالقطاع الخاص وساهمت في دعمه وتطويره بعد مسيرة طويلة وضغط من التكتلات التي أنشأها أصحاب الأفكار والمشاريع الإقتصادية المختلفة والذين أصبح لديهم قوة تأثير كبيرة بفعل الأثر الذي أحدثه نشاطهم في المجتمع.

         أخيرا، وعند التفكير في تطوير المشروعات الإقتصادية الصغرى، يشدد البعض على ضرورة التفكير بشكل مختلف بشأن ريادة الأعمال الإجتماعية وهو مفهوم لم يتشكل بعد بشكل كافي في ليبيا رغم وجوده على أرض الواقع إذ تسهم الكثير من منظمات المجتمع المدني في توظيف الكثير من الشباب منذ ما بعد تغيير النظام سنة 2011، وبشكل متنامي حتى وقتنا الحالي، وبالتوازي مع ضرورة التفكير في هذا النوع من ريادة الأعمال أو بمعنى آخر بناء مفاهيم ريادة الأعمال والتنظير لها بشكل منظم، ويجب أن ينعكس بناء هذه المفاهيم على أعمال واقعية من خلال دعم منظمات المجتمع المدني بعضها البعض.

لتحميل وقراءة التوصيات كاملة اضغط الرابط التالي: