التقارير

الأثار الإقتصادية للإنقسام السياسي في ليبيا .. أنس جاب الله

July 28, 2015

قُدّمت هذه الورقة في ندوة عُقدت في طرابلس بتاريخ 13/6/2015 عن الانقسام السياسي في ليبيا. قامت المنظمة الليبية للسياسات و الإستراتيجيات بتنظيم هذه الندوة بالشراكة مع المركز الليبي للبحوث و التنمية.

:توطئة

لم تكن هزيمة القذافي في الثورة الليبية، على الرغم من أهميتها، إلا بداية لنشأة الصراعات المسلحة بين أبناء الشعب الليبي، حيث كان التقدم في بناء دولة ليبية سلمية ومتماسكة في حقبة ما بعد القذافي بطيئاً ومتراجعاً. في الواقع، أبرزت الخروقات الأمنية الأخيرة وتفشي العنف داخل البلاد وامتداده إلى دول شمال أفريقيا المجاورة على عدم استقرار وتأزم الوضع الراهن، فقد أدى تصاعد الصراع المسلح في ليبيا في الفترة الأخيرة إلى تزايد أعداد النازحين داخل ليبيا، ما فاقم من الأزمات المعيشية للمواطنين؛ فزادت أزمات الخبز والوقود، فضلاً عن انقطاع التيار الكهربائي، وتأخر صرف المرتبات ونقص الأدوية بمختلف أنواعها، وقد طال هذا التدهور جميع القطاعات.

وفي هذا الصدد، شهدت ليبيا خلال العام 2014 حالة من عدم الاستقرار نتيجة الأحداث الصعبة التي مرت بها ولازالت حتي الآن، وأبرزها الانقسام السياسي والعسكري الذي نتج عنه نزاع عنيف وازدواج في السلطات، مع استمرار غلق الموانئ والحقول النفطية، وكثرة الاعتصامات والاقتحامات المسلحة لمقرات الدولة، والمواجهات المسلحة وما أعقبها من مرحلة عصيان مدني، بالإضافة إلي نشوء أجسام موازية لمؤسسات الدولة السيادية، فضلاً عن نشوء حالة من التسابق نحو الإنفاق للحصول علي الولاءات واثبات الشرعية.

تعتبر حالة ازدواج السلطات هي الحدث الأصعب، والأشد أثراً علي البلاد، حيث أنه تولت عدة سلطات لمهام التشريع والتنفيذ بعد انتخابات يونيو 2014 ونشوء نزاع حول شرعية انعقاد جلسات السلطة الجديدة ممثلة في مجلس النواب في مدينة طبرق ورفض السلطة المؤتمر الوطني تسليمها خلافاً للإعلان الدستوري، ونتيجة لذلك فقد تفاقمت حدة الانقسام السياسي والاجتماعي والعسكري وارتفاع وتيرة القتال وسوء الأوضاع الأمنية، وزاد ذلك سوءً إلي ما تعاني منه مؤسسات الدولة من سوء إدارة، وضعفٍ في الأداء، وهدرٍ في الأموال والامكانيات، واستشراء للفساد[1].

ومع استمرار وتوسع رقعة الانقسام السياسي في ليبيا وانتقاله نحو الهلال النفطي وازدياد المعاناة الإنسانية والاقتصادية للمواطن الليبي، تبدو ملامح الانهيار الاقتصادي والمأساة الإنسانية في البروز يوماً تلو الآخر، نتيجة تصاعد الأحداث وانهيار الخدمات الأساسية للمواطن وغياب الاحتياجات الأساسية له من ماء ودواء وكهرباء وغاز وطعام وأمان وقدرة على الحركة لقضاء مصالحه والحصول على احتياجاته، يضاف إلى ذلك التهديد الأمني المتزايد والعنف والمعاناة اللاإنسانية للنازحين الليبيين في الداخل والخارج.

بات الاقتصاد الليبي على حافة الإفلاس في ظل تصاعد الصراع المسلح بين الفرقاء من ناحية وتهاوي أسعار النفط عالمياً من ناحية أخرى، ما أثر سلباً على القطاع النفطي الذي يشكل 95% من إيرادات البلاد، في ظل تحذيرات تقارير دولية من إفلاس ليبيا ونفاذ الاحتياطي النقدي الاجنبي خلال 4 سنوات، في حال استمرار الاضطرابات الأمنية والسياسية.

وفي خِضم الأزمة المالية المعقدة وتزايد حالة الانقسام السياسي التي تمر بهما البلاد، فمن المتوقع أن يؤدي إلي مزيد من التراجع في الإيرادات العامة للدولة قد يتسبب في إحداث عجز تاريخي غير مسبوق، ينذر بمتوالية من التداعيات يصعب حصرها أو التنبؤ بحجمها، تطال معيشة المواطنين وأمنهم ، حيث لم يعد هناك مناص من وضع الأسس الصحيحة للخروج من تلك الأزمة ومعالجة آثارها، الأمر الذي لن يكون متاحا في المدي القصير بالإجراءات العادية، بل يتطلب تعاونا بين الجهود المبذولة وتكاملا ًفي الأدوار.

واستدراكاً لخطورة الآثار الاقتصادية للانقسام السياسي في ليبيا، تلقي هذه الورقة البحثية الضوء علي هذه الآثار من خلال ثلاثة محاور أساسية. أولاً: إطار نظري موجز عن الآثار الاقتصادية للانقسام السياسي في الدول، ثانياً: التداعيات الاقتصادية للانقسام السياسي في ليبيا، ثالثاً: البدائل المناسبة للحد من الآثار الاقتصادية في ضوء أزمة الانقسام السياسي.